01 March 2007

قاسم أمين يصارع قاسم أمين- الجزء الأول

النساء بين المصريون وتحرير المرأة

تحدثت من قبل عن قاسم أمين في عرض لرؤية نسوية لمشروع الرجل ومنطلقاته الرئيسية. وهنا أعرض فقرات من كتابيه المصريون و تحرير المرأة.

---------------------------

يحار المرء حقا ولا يجد تفسيرا لحجم التغير الذي لحق بأفكار وتوجهات قاسم أمين خصوصا في الفترة ما بين عامي 1894 و 1899 أي الفترة التي تفصل بين تأليف كتابيه شديدي التناقض: المصريون و تحرير المرأة. ومبعث هذه الحيرة ليس التعجب من التغير ذاته فكثير من المفكرين والأدباء والساسة - بل والانسان العادي – يغيرون أفكارهم ومواقفهم لسبب أو لأسباب قد تبدوا ظاهرة، وقد تحتاج الي التخمين والبحث والترجيح. غير أن حجم التغير الذي لحق بفكره أكبر بكثير من أن يعزي إلي مجرد مرور خمس سنوات تفصل بين الكتاب الأول وكتاب تحرير المرأة. كما أن الغرابة هنا مبعثها أنه حينما ألّف كتاب المصريون، الذي يتخذ فيه موقفا دفاعيا عن الشرق والاسلام والمسلمين، كان قاسم قد ذهب الي فرنسا أكثر من مرة وعاد الي القاهرة فلا يمكن القول بأن تأثير الصدمة الحضارية قد ذهب بعقله كل مذهب ودفعه الي نقض ما قاله في كتاب المصريون وأن يستبدله بما قاله في تحرير المرأة.

لذلك أكتفي بعرض ما أري من تغير في فكر الرجل لعلي أصل الي تفسير فيما بعد، إذ أن الاحتفاء بقاسم أمين من قبل معجبيه وتسفيهه والسخرية منه من قبل المناوئين  يجعل المرء مضطرا أن يلملم كل المعطيات لتكوين صورة أوضح قليلا مما هو مشاع وما يراد له أن يترسخ في الأذهان.

--------------------------------

كتاب المصريون كان رد علي كتاب ألفه دوق داركور حمل فيه علي المسلمين ووصفهم بصفات مشينة فقرر قاسم أمين كتابة الرد. وكتاب قاسم أمين نشر عام 1894 بالفرنسية وعنوانه

Les Egyptiens

في فصل بعنوان "النساء" يبدأ أمين بقوله:

تخيل كثيرون في كل العصور المرأة المصرية في صورة كائن أقل من الرجل، تحيا في عزلة دائمة وفي أخذ وضع الرقيق تقريبا ... وقد جاء دوق داركور بشهادته داعما لهذا الرأي.

لكن قاسم يقرر أن كلام داركور فيه من المتناقضات الكثيرة، فيقول أن داركور قال في موضع أن:

المسلمين يخفون نساءهم غيرة عليهن ثم قال في مكان آخر: إن هذا التقليد نابع من اختلال الأمن في البلاد.

وفي حين يقول داركور أن الأقباط والشرقيين كانوا يتبعون نفس هذا المسلك  نجده يعود ليدندن علي نغمة أخري فيقول: إن هذا التقليد وثيق الصلة بالدين الإسلامي!!!  

يبدأ قاسم أمين دفاعه بقوله:

تبدوا المرأة المصرية من الناحية الشكلية أقرب للقبح منها للجمال... أما من الناحية المعنوية فهي مخلوق متكاسل ذات طبيعة تأملية وبعيدة عن الفاعلية، تكثر الحديث والضحك، تحب دينها لكنها لا تمارسه. ليس لها مثل أعلي: وتتأقلم مع الحياة الواقعية وهي زوجة نموذجية وأم حانية لكنها محدودة المواهب في التدبير المنزلي ... شديدة القناعة في الحب فهي عذراء قبل الزواج وعفيفة بعده.

ثم ينتقل أمين إلي وصف حياة النساء المصريات بلا تفصيل فيقول ما يدهش المرء حقا:

علي أن الخطأ المطلق أن يقال أن المرأة في مصر حبيسة الدار، فجميع النساء يخرجن في جميع ساعات النهار والليل مثل الرجال، ويتنزهن وحيدات أو في رفقة صديقاتهن، يقمن بزيارات ويستقبلن زيارات بانتظام، يدخلن المحال لشراء حاجاتهن ويتجولن في الأسواق ويترددن علي أمكان التنزه ويسافرن أحيانا وحدهن ... نحن ... بعيدون عن الصورة المعتمة التي رسمها لحياتهن دوق داركور ... وموجز القول أن كل ما نستطيع أن نفعله نحن الرجال ، تستطيع النساء فعله.

ويعزو أمين هذه الشهادات الغربية التي لا تصوّر الحقيقة في مصر إلي "زيغ النفوس" أكثر مما يعزوها الي "سوء النية". وأمين يتعجب لأن في مصر في ذاك الوقت "جاليات تضم مئات الآلاف من الأوروبيين الذين يقيمون في بلادنا. كما يفد إلينا كل عام خلال الشتاء الاف السائحين وكل هؤلاء يرون نساءنا وهن في الشوارع علي أقدامهن أو علي ظهور الحمير أو في السيارات".

وينتقل أمين في موضع آخر ليعلن أنه لا يري أي شيئ سئ في افتقار بلادنا الي سيدات البلاط والنساء السياسيات والأديبات. وهو لا يري "الفائدة التي يمكن أن يجنيها النساء بممارسة حرف الرجال" بينما يري "كل ما سوف يفقدنه، فإن هذه الحرف سوف تجرفهن عن المهام التي تبدوا أنهن خلقن من أجلها، كما أن هذه الأعمال لن تجعلهن أكثر فائدة للمجتمع ولن تزيد سحرهن بل علي العكس من ذلك. إن مشهد الأم المتفانية يملؤني حنانا، ... في حين أني لا أشعر بأية عاطفة حين أري امرأة تهل علي في خطي الرجال، ممسكة كتابا في يدها وتهز ذراعي في عنف وهي تصيح بي: كيف حالك يا عزيزي".

وفي تحرير المرأة يقول:

والفنون الجميلة والصنائع والمخترعات والفلسفة العالية كل ذلك يستلفت المرأة مثل ما استلفته من الرجال. فأي نفس شريفة لا تشتاق الي مطالعتها والتمتع بكنوزها طلبا للحقيقة والسعادة؟ ... وأي فرق بين الرجل والمرأة في هذا الشوق ...؟

يقول المسلمون: إن النساء ربات الخدور يعمرن المنازل. وأن وظيفتهن تنتهي عند عتبة البيت. وهو قول من يعيش في عالم الخيال وضرب بينه وبين الحقيقة بحجاب لا ينفذ بصره الي ما وراءه. ولو تبصّر المسلمون لعلموا أن اعفاء المرأة من أول واجب عليها وهو التأهل لكسب ضروريات الحياة بنفسها هو السبب الذي جر ضياع حقوقها.

ويعود أمين ليعلن أنه "نصير متحمس لأخذ المرأة قدرا نسبيا من التعليم" إذ أنه يرفض أن تتم تربية النساء المصريات وسط الجهل والتخلف. وسبب ذلك أنه يعتقد أن تعلم المرأة ما يكفي سيكون مساعدا علي تلقينها أبناءها مبادئ الأخلاق والفضيلة. ويوضح أنه بدون ذلك "لا يمكن أن نأمل في وجود مواطنين صالحين". ويقر أخيرا بصحة كلام داركور فيكتب:

"وإنني في هذه النقطة أوافق تماما دوق داركور ولا أمتنع عن الاعتراف بدونية مستوي المرأة المصرية عن مستوي المرأة الأوروبية." ويؤكد أن هذه الدونية ليست بسبب شيوع الدين الاسلامي في مصر وأن هذه الدونية ليست أصيلة فيهن بل "ما نعيشه اليوم وضع عابر".

يترك أمين منصة الدفاع قليلا ويبدأ بالهجوم علي المرأة الأوروبية من خلال عقد مقارنة بين وضعها ووضع المرأة المسلمة في الاسلام إذ أن المرأة المسلمة لها كامل الحقوق المدنية ولها حق الاشتغال بأي عمل دون حاجة الي إذن من زوجها أو تصريح محكمة فهي "تستمد أهليتها من شخصيتها ذاتها" في حين أن المرأة الفرنسية ناقصة الأهلية في نظر القانون.

ويوضح أمين الصفات التي ينبغي أن تتوافر في الفتاة المسلمة حتي تحظي بزوج جدير بها وتنحصر هذه الصفات في كونها "فاضلة حسنة الخلق" بينما في أوروبا فعلي المرأة التي ترغب في الزواج أن تدفع "بائنة" وهذا يحوّل الزواج الي "عملية تجارية وشركة مصالح". ويقول أن هذا النظام الاجتماعي الجائر علي النساء هو أول ما صدمه حينما وصل الي فرنسا ليجد نساءا قد بلغن عامهن الخمسين دون زواج.  

13:00 Posted in Books | Permalink | Comments (2) | Email this | Tags: Woman, Qassim Amin

Comments

العزيز مختار
المناظرة بين الكتابين مفيدة وقد تكون دالة على شىء هام
فى حالة ثبات الظروف المحيطة بالمؤلف وجمود فكره يكون الموضوع تناقض اما وجود مرحلة زمنية حتى لو كانت 5 سنوات وسفره للخارج ومعاصرته لاجواء مختلفة وربما تعامله خلال الخمس سنوات مع نساء مختلفات يمكن بالطبع ان يعيد تشكيل ذهنه ليصيغ افكاره بعد تعديلها بصورة اكثر اختلافا
فاكاد اجزم ان فكرة الكتاب الاول تنبع من كونه ذكر فقط لم يسمع لفكر انثى او احتياجها اما فى الكتاب التانى قد غلب عليه استماعه للانثى فبدا اكثر تعاطفا وكأنه قد تفهم فكرا كان بعيدا عنه
ليس من العيب ان يغبر الانسان مبدأ قابل للتغير لانه اقتنع بغيره اظن الخطأ هو الاستمرار على نفس ذات المبدأ العتيق حتى لو شعر بوجوب تغيره
مختار انت بتجيب الكتب دى منين دى قديمة موووت يا اخى
تحياتى

Posted by: tota | 02 March 2007

توتا
أنا طبعا قلت أنه لا توجد مشكلة في تغيير الفكر بمرور السنين، لكنني أبدي حيرتي لأن كتاب المصريون المؤلف عام 1894 كان قد صدر عن وعي بالمجتمع الأوروبي أيضا لأن أمين كان قد عاش بالخارج قبل تأليفه وبعده طبعا. والخطأ أن يستمر الواحد منا علي جموده وأن يستنكف عن مراجعة نفسه.

لكن مشكلة قاسم أمين تكمن أكثر في التحول الشديد في القياس الذي يستخدمه وأنا أحيلك هنا الي الجزء الثاني الذي نشرته أمس واقرأيه وقولي لي رأيك خاصة في تلك الجزئية الخاصة بالتقدم المادي والأخلاقي.

طبعا الانصات للمرأة من شأنه أن يعلي من دقة الرؤية الادراكية التي يملكها الرجل، وأنا أزعم أنني أستمع جيدا الي المرأة حتي أدرك مشاكلها. لكن أعتقد يا توتا أن تفسير تحولات قاسم أمين يذهب الي أعمق من ذلك. الأمر يتعلق أكثر بموقفه الابتدائي من قضايا التخلف والتقدم والشرق والغرب وطبعا ربما ألتمس له العذر بسبب المرحلة التاريخية الصعبة جدا التي عاش فيها.
وانتظري مني أيضا تدوينتين اضافيتين عن الموضوع

أشكرك جدا وسعيد جدا لاهتمامك بالتعليق ؛ تعلمين أن رأيك يضيء لي جوانب معتمة.

Posted by: Mukhtar | 05 March 2007

Post a comment