05 June 2007
عمرو دياب والنظام الأبوي: منظور فلسفي سياسي فني
أسطورة حديثة
تذهب الأسطورة الحديثة إلي أن عمرو دياب هو المهدي المنتظر الذي سيملأ الأرض عدلا كما مُلئت جورا وقد أشرق نور المهدي في تلك الليلة الظلماء التي التقي فيها بأحد شيوخ الوعظ في أحد الفنادق كما رُوي في إحدي البرديات المقدسة لجريدة المصري اليوم. هناك، انقضّ عمرو المهدي بسيفه المسلول ليعلن أن العُري ليس هو كل ما يجب محاربته (علي جمهور المهدي من المدونين أن يتذكر أن قائدهم قد هداه الله في سواد ليلة واحدة – أقول ذلك حتي لا يختلط عليهم الأمر)!!! وتستند الأسطورة إلي أغنية هتمـــرد عالوضع الحالي، وأغنية أنا حـــــــــر، وأغنية رصيف نمرة خمسة بوصفهم ثالوث التغيير والإصلاح الكامن في ألبوم أيس كريم في جليم.
غير أن المعارضة تزعم أن محاربة الاستبداد السياسي لم تكن واردة في أي ألبوم لعمرو – عفوا المهدي عمرو – وأن الأغاني التي تستند إليها الأسطورة لا تتعدي محاربة الاستبداد العاطفي للمحبوبة. ويضيف هؤلاء أن الأدهي من ذلك أن عمرو دياب كثيرا ما يرسخ للإستبداد السياسي بأغنيات: عايزين يغيروك، أنا أكتر واحد بيحبك، وتملي معاك، اخترتك من البداية، الله لا يحرمني منك باعتبارها أغان تحمل بعدا سياسيا وثنيا مباركيا، واعتُبرت أغنية لو فين ما تروح تلاقي ستين مليون فدائي أعظم تجليات هذا التوجه وأقوي حجة للمعارضين. وعلي ذلك فإنهم يذهبون إلي أن المهدي عمرو هو أحدث المسحاء الكاذبين.
أسطورة قديمة
الأب أصل الأمان – هكذا يذهب اعلان جهينة للزبادي. وقد يكون لذلك الإعلان تمويلا سريا من الحزب الحاكم. لكنّ تراثنا الدعوي والتربوي يذهب إلي أبعد من ذلك بالطبع فالأب هو أصل الحياة والسبب المباشر لوجودك أيها الإبن الضال؛ فمن أين لك بحياتك لولا أن الأب تعطّف وجامَع أمك؟ إذن نحن بصدد خلق من العدم أو ما يشبهه. وعليه فللأب عليك الطاعة والبر حيا وميتا.
الأب – بعد أن أخرجك إلي الوجود الجنيني – يدبّر لك حياتك فيقرر أين تتابع أمك الحمل. يذهب ليشتري لك ثيابك الجميلة أو القبيحة مع أمك أو بدونها. يوفر لأمك الطعام حتي تبقي أنت حيا. ويدفع مصروفات المشفي أو حلاوة الداية حينما تنزلق أنت من بين رجلي أمك. ويشتري البامبرز ويحضر لأمك الطعام حتي يتمكن ثدياها من إفراز اللبن الضروري لحياتك. يدبر لك ميعادا عند الطبيب لعملية الطهارة ويشتري لك محلول بيتادين المطهر حتي لا يتلوث عضوك الذكري بعد العملية، مما يعني أنه أيضا – بشكل ما – مسئول عن حفظ ذكوريتك. ويقدم أوراقك في حضانة بيبي فاين، ويواصل من هذه النقطة الدوران في دوامة الدروس الخصوصية حتي تكبر أنت وتلتحق بوظيفة حكومية محترمة أو غير محترمة.
من شأن كل ذلك أن يلزمك بالتزامات أخلاقية ودينية واجتماعية تجاه هذا الأب البيولوجي. وسواء نسيت أو تذكرت كل ما سبق فلدينا في دولتنا خطابا دينيا يتحدث دوما عن عقوق الأبناء لآبائهم وهذا الخطاب بانتظارك وانتظار كل ابن بار أو عاق حتي نحافظ علي الاستقرار والأمن والسلام الأسري والاجتماعي – والسياسي أيضا. فالإبن البار بأبيه سيكون بارا برئيس الدولة أيضا، وعلي كل حال فكون رئيس الدولة ليس أبا بيولوجيا لك لا يعطيك مبررا لمعارضته؛ فلا فرق بين الأب البيولوجي والأب السياسي أيها الإبن العاق.
(1)
رأس القبيلة أو
Patriarch
وبالفعل يبدوا أن عمرو دياب هو الإمام الغائب إذ أنني لاحظت في أغنيته لمبارك أنه يشير إلي قراءاته الفلسفية التي تعود إلي القرن السابع عشر (فعمرو ليس مجرد مطرب). السير روبرت فيلمر يضع كتابه "البطريركية" أو النظام الأبوي في العقد الثالث من القرن السابع عشر وقت حكم الملك تشارلز الأول لإنجلترا. وقد ذهب فيلمر في كتابه إلي أن السلطات التي في أيدي كل الحكام ليست منبثقة عن إرادة الشعوب ولكنها نازلة من عند الرب مباشرة، وأمام هذا الرب فقط يقف الحكام ليحاسَبوا. وقد كان معاصروه يؤمنون عامة أن سلطة الأب والزوج علي الزوجة والأولاد ليست ناشئة عن رضا الزوجة والأسرة وإنما هي شكل طبيعي وسنّة إلهية. فنحن بصدد نظام بطريركي طبيعي في مواجهة عقد إجتماعي مزعوم واصطناعي!!! أليس كذلك؟
وتشكل هذه المزاعم أرضية للسير فيلمر كي يروّج للإستبداد السياسي وحكم الفرد المطلق باعتبار أن الدولة والأسرة تنظيمان متشابهان في الأصل. ولعل هذا الزعم لم يُكتب له شهادة وفاة في وطننا العربي إذ لا زال هناك كثير من الكتاب والصحفيين والسياسيين يتحدثون عن الدولة باعتبارها الأسرة الكبيرة؛ وعن الحاكم الاستبدادي باعتباره أبا شرعيا لهذه الأسرة!!! وبالتالي فهناك جملة إلتزامات أخلاقية ودينية من جانبنا نحن الرعية أو الأبناء تجاه هذا الحاكم الأب؛ وفي المقابل هناك إلتزام من جانب هذا الحاكم أن يوفر لنا الطعام والملبس؛ ولا يكلف الله نفسا إلا وسعها. تصبح العلاقة هكذا: أب يتفضل ويمنّ علي أبناءه إذا استطاع أو بالأحري إذا أراد، وأبناء يطيعون ويمتنون لهذا الأب الذي وهبهم منحة الحياة. هنا يطفو علي السطح مفهوم عقوق الحكام/عقوق الآباء السياسيين ونصبح، كشعب، أسرة عاصية تدخل النار إذا ما تجرأ أحد ولوّح بالتمرد أو التساؤل عن جدوي استمرار الرئيس الأب في الحكم لفترة ولاية سادسة – بلا انقطاع.
كان فيلمر يؤمن أن البُكورية، أو حق الإبن الأكبر في الإرث كله دون إخوته، هو الوسيلة المُثلي داخل الأسرة وداخل الدولة. ولعل من المثير أن الملك تشارلز الأول تفحص كتاب فيلمر ليأذن له بالنشر غير أنه قضي بعدم نشره ربما لأنه خشي أن يثير الكتاب معارك غير ضرورية.
وجاهد فيلمر ليدحض الأفكار الخاصة بالمقاومة الشرعية للحكام واعتبر أن أعظم آفات الفكر السياسي هو افتراض أن الناس ولدوا أحرارا ومتساوين!!! قال فيلمر إن هذا الاستدلال غير صحيح لأن الناس جميعا قد ولدوا خاضعين لآبائهم. فقد أشار فيلمر إلي أن آدم أبو البشر كانت له سلطة علي كل أولاده ونسلهم وكانت له يد علي كل ما في العالم من ممتلكات. وتلك السلطة كان منشأها أنه هو السلف النهائي أو الجد الأعلي لكل الجماعة الإنسانية. وعلي هذا فإن سلطة آدم كانت سياسية حتي النخاع. إذن حكم الفرد الواحد هو أفضل أشكال الحكم فضلا عن مطابقته لسنن الكون! الأب رئيس يملك الأسرة ويحكمها، والرئيس أب يحكم الدولة ويملكها. هل بإمكانك الآن أن تقدم لي تعريفا للأب البيولوجي والأب السياسي بناء علي الجملة السابقة؟
من هذه الزاوية نري الحكمة – أو الحماقة - وراء الإصرار علي وصف الرئيس بأنه أب للأسرة المصرية الكبيرة.
(2)
قتل الأب أو
Patricide
وفور وصول أنباء تعرض سيادته لمحاولة اغتيال آثمة في أديس أبابا حاول أن ينفذها جماعة من الموتورين، تحركت مشاعر عمرو دياب الجياشة وقرر علي الفور أن يبدأ تصوير درة أغانية ابتهاجا بنجاة السيد الرئيس. والسياق الذي كنا بصدده عام 1996 اقتضي ذهاب عمرو دياب الي صفحة الصحراء الصفراء، وقد تخفف من ملابسه ووراءه مجموعة كبيرة من المشاركين في الأغنية بلباسهم الأبيض. يذكرني هذا الموقف الجليل بوقفة عرفات باستثناء ظهور مفيد فوزي في برنامج حديث المدينة مستضيفا عمرو ليحدثنا عن الترنيمة التي يغرد بها عمرو في حب الرئيس. وهكذا أفسد مفيد فوزي روعة الخشوع وجلال اللحظة النورانية الوضّاءة التي كاد أن يلج فيها بَصَري إذ تساءلت: ماذا يفعل رجل مسيحي فوق جبل عرفات الآن مع عمرو دياب ورفاقه وهم في لباس الإحرام!!؟؟؟ يشدو عمرو:
لو فين ما تروح تلاقي
ستين مليون فدائي
بيردوا بقلب واحد
بيردوا عليك ندائي
إنت أب بمعني كلمة أب لينا
إنت رمز وحلم كل شاب فينا
إنت مهما تكون بعيد بتحس بينا
والأب كلمة تعني أصل الأمان والعطاء بل، أكثر من ذلك، إنها تعني أصل الأبجدية العربية أيضا فهي تتكون من الألف والباء. وعلي ذلك فللرئيس علينا السمع والطاعة والبر والامتنان لكل ما فعله وما لم يفعله. إذ كيف ينكر جاحد أن مترو الأنفاق كان هديته لنا في أعياد أكتوبر! انتصار أكتوبر نفسه كان هديته حتي من قبل أن يصبح أبا لنا مما يؤكد عمق الإلتزام المعيشي الذي يتكفل به. ومن الذي وفر التعليم والصحة والطعام لنا رغم الزيادة السكانية الرهيبة، ومن الذي رصف الطرق وشيّد الكباري واستعاد طابا؟
إنه البابا، كبير العائلة المصرية جمعـــاء.
ومن يدري، أليس من الممكن جدا إذا عمّقنا البحث في كل الاتجاهات أن نكتشف مناقب جديدة تضاف لمناقب الأب الرئيس، كأن يظهر لنا دليل جديد علي أنه خالق الأراضي المصرية وموجد النيل من العدم يوم أن كانت السماء والأرض سديما هائما. يومئذ، لا أدري بأي وجه ستقابله المعارضة الموتورة التي ما انفكت تعصاه ولا تخشي بطشه وعقابه. أيستنكف أفراد الشعب عن قول أف للأب البيولوجي ويلوّحون بها في وجه أبانا السياسي!؟
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
- اعتمدت في كتابة هذه التدوينة علي النص الأصلي لكتاب فيلمر، وكذلك علي موسوعة روتليدج الإلكترونية للفلسفة
- الصورة من هنا، وهنا
11:10 Posted in Philosophy | Permalink | Comments (7) | Email this | Tags: Philosophy, absolutism, Amr Diab
Comments
تنكر ان اسمه ظهر فى كتب مقدّسه؟ "مبارك" شعبىّ مصر
وبعدين "عمرو دياب" زيّه زى "عادل إمام" .. نجوم صاروا بحاجه لمساندة السلطه لهم ليظلّوا على رأس القائمه .. إذ لم يعد فنّهم يكفى ليصلوا لتك المكانه و صار لازم لهم بعض النفاق و التملّق
Posted by: زمان الوصل | 05 June 2007
زمان الوصل:
لأ طبعا ماقدرش أنكر، وده يديله أفضلية علي كل الرؤساء اللي سبقوه .
المستفز إن في ظل الكلام عن التعددية والديمقراطية والمهلبية يصر كثير من الكتّاب علي اعتبار مبارك أب لكل المصريين علي اعتبار يعني ان مصر هي الأسرة الكبيرة وهو اللي بيوكلنا ويشربنا ويساعدنا كمان علي التبول والتبرز وبيوفرلنا البامبرز علي خلاف كل الحكام والرؤساء في الدول المجاورة.
تشبيه الأب والأسرة ده قمة الفشخ السياسي اللي البشر ممكن يعيشوه
Posted by: Mukhtar | 05 June 2007
ليه بس مش عاجبك التشبيه !! يعنى هل ترى فرق كبير بينه و بين جملة
God bless America
و المعنى الذى يمكن أن يصلك من خلالها !!
تشبيه الأب و الأسره متّسق تماما مع تراثنا الأبوى الذى أشرت أنت إليه بالفعل فى المقال
متّسق مع مبدأ
"كلام أخوك الكبير لازم يصير يا حسنين"
متّسق مع مبدأ "أم حميده" سيّدة البحار فى فيلم "بن حميدو" حين قالت لابنتها لا فضّ فوها
أنا أطبخ و انتى تاكلى .. أنا أخطب و انتى تتجوّزى
يعنى لو افترضت حسن النيّه ممكن تقول أن المروّجين لهذا المبدأ رموا من حيث لم يقصدوا لفكرة ديكتاتورية الأب و تسلّطه من خلال الصوره الحمضانه دى
Posted by: زمان الوصل | 05 June 2007
زمان الوصل:
كان في واحدة أمريكية مصرية قالتلي ممكن تهلفط بأي كلام في أمريكا بس إبدأ كلامك وانهيه بـ
God blees America
وده كان في سياق اننا كنا بنتريق علي الرئيس بوش وخطابه السياسي العبيط
أما مسألة الفرق بقي فأعتقد أن التناو ل اللغوي لأي موضوع سياسي - علي أساس ان كلامنا في السياسة هنا - بيفرض صور ذهنية في المخ وبيعمل محاذير وتابوهات وكمان بيخلق أساطير وأكاذيب إذا إحنا لم ننتبه للخطاب المتداول.
بمرور السنين بيكون الخطاب جزء من التفكير واللي بدوره بينعكس علي اللغة ويرجع يغذي التفكير من جديد. طاحونة
طبعا أنا قصدت الديكتاتور داخل الأسرة، وبالتأكيد الاستبداد السياسي أصله استبداد أسري، وكمان قصدت الخطاب الديني الأعرج الي لا يحدثنا تقريبا سوي عن عقوق الأبناء للأباء. مفيش حد بقي يكلمنا شوية عن عقوق الآباء للأبناء؟؟
وبالمثل هناك خطاب سياسي تعبان في الصحف بيتكلم عن الرئيس اللي طالع دين أمه عشان احنا نعيش كويس، واحنا باردو سبب الزيادة السكانية!!! أبناء ضالين وعاقين بقي
حلو الاشارات بتاعة كلام أخوك الكبير، وأم حميدة
:)
Posted by: Mukhtar | 05 June 2007
و كمان فيه كلام كتير داخل فيه اسم مبارك
يعني في العيد بنقول ، عيد مبارك ، و اشتقاقا بنقول مبروك في المناسبات السعيدة ، ده غير ان فيه اشتقاق تاني في كلمة "حبة البركة" و انتوا عارفين الفوائد اللانهائية ليها ، و في القرآن "تبارك الذي بيده الملك" و أيضا الحديث المأثور عند اعلان القران "بارك الله لكما..." مش فاكر الباقي
ده غير ان مخرج الفيلم العالمي "بركة" مالقاش غير الإسم ده يسمي بيه الفيلم ، و كمان فيه شخصية مهمة جدا و بالغة القوة و الذكاء من شخصيات ستريت فايتر اسمها "بركة" ، انتوا جهلة و مش عارفين تاريخ بلدكو
Posted by: ربيع | 06 June 2007
Just Please pay more respect to Quran and Islam this is particulrly to Rabee3, who mentioned a verse from Quran as if it's immitation of Mobarak's name while the contrary is the right!!!
Posted by: Abeer | 10 June 2007
وقد تفضل أحدهم بنقل التدوينة هنا
http://www.gam3aonline.com/art_read_n.asp?id=5056
دون إشارة للمدونة أو شخصي
!!!
Posted by: Mukhtar | 15 September 2009
Post a comment