13 August 2008

خواطر حول الهوية والعنف

صحيح أنك قد تقرأ كتابا فيترك فيك أثرا خفيا ربما لا تستشعره لكن هناك نوعية من الكتب تترك أثرأ عميقا في النفس، ليس فقط لأنك استقبلت الكتاب استقبالا حسنا ولم تغمطه حقه في القراءة ولكن لأن الكتاب ذاته يعج بالأفكار والرؤي المستنيرة التي تجعل تكرار قراءته أهم عندك من مطالعة كتاب جديد.

أزعم أن كتاب "الهوية والعنف" ينطبق عليه القول السابق. استمتعت بقراءته مرتين.

(1)

للنظريات حياة خاصة

من الغريب حقا أن تستمر الأفكار والتصورات عن العرق والجنس والطبقة بالرغم من منافاة الواقع والظواهر لتلك التصورات والتحيزات. يذهب أمارتيا صن صاحب كتاب الهوية والعنف إلي أن "النظريات لها حياة خاصة بها، شديدة التحدي لعالم الظواهر التي يمكن رصدها واقعيا" ويري أن المشكلة ليست في ظهور هذه التعميمات المبسطة وتأثيرها علي تفكيرنا ونظرتنا للآخرين، بل في أنها تتحول إلي نظريات كبري في التفسير.

فإذا كانت المرأة قد عاشت حينا من الدهر وهي قليلة الخبرة وغير متعلمة وغير مثقفة وغير قادرة علي الفعل السياسي لانعدام التحصيل العلمي والمعرفي ابتداء فإنها قد تغيرت تماما ونبغت في الكثير من المجالات حينما أتيح لها نفس – وأحيانا أقل – الفرص التي أتيحت للرجل.

ومع ذلك فالنظريات الخاصة بمحدودية ذكاء المرأة وتواضع قدرتها العقلية مقارنة بالرجل تقفز علي السطح دائما عند الحديث – مثلا – عن تعيينها قاضية. فجأة يصبح الحديث عن عاطفة المرأة وعقلها المحدود حديثا رائجا ويتم حشد هذه الأدلة التاريخية والبيولوجية للتدليل علي أن وظيفة الحكم بين الناس تتطلب رجلا لأنه الأصلح والأذكي والأعقل والأكثر اتزانا.

وهكذا فعلي الرغم من تأكيد الظواهر الملموسة علي أن الوظيفة يحكمها الكفاءة فإن النظريات والتعميمات المبسطة تصر علي أن الجانب البيولوجي والتاريخي أهم بكثير من الكفاءة.

(2)

تعدد الهويات لذات الفرد الواحد

يطرح هذا الكتاب فكرة مهمة وهي أن الإنسان ليس له هوية أحادية بل هويات متعددة لكل منها أهميتها في سياقها.

فمثلا – وبدون أي ترتيب – أنا رجل، مسلم، أصولي، مصري، عربي، شرق أوسطي، إفريقي، إنسان، مترجم، متخرج من كلية الألسن، أهلاوي، موبينيل، أشجع ارتداء الجينز ... إلخ

وبغض النظر عن الأهمية التي أري بها كل هوية من هؤلاء علي حدة وخارج أي سياق، فإن السياق الذي يتطلب التصارع أو التضامن – مثلا – قد يجعلني أعطي الأولوية لهوية ما من بين تلك الهويات.

نفترض مثلا أن الحكومة المصرية اتخذت إجراء صباح غد بمنع تعيين أي مصري متخرج من كلية الألسن فى وظيفة مترجم بوزارة الخارجية، وصدر بذلك مرسوم، وأضاف المرسوم أن هذه الوظيفة متاحة فقط لخريجي كلية الآداب.

سأحس وقتها بأنني شخصيا مضطهد، وأن هناك آخرين يشتركون معي في نفس المصير البائس.

ساعتها ربما أتصل تليفونيا بأحد زملائي في الكلية لمناقشة الأمر، وربما نتطرق الي المدح في كليتنا وقد نصل إلي نقطة ننتقص فيها من قدر كلية الآداب شعبة اللغة الإنجليزية باعتبار أن مناهجنا الدراسية أثقل وأهم وأنفع للدارس، ولعلنا ننشئ مجموعة علي الفيس بوك ننادي فيها بالتضامن بين خريجي الألسن، وقد يتطرف بعض الآخرين وينشئوا مدونة تهاجم كلية الآداب ومناهجها، وقد نشترك في مظاهرات لتعميق إحساسنا بالتضامن والتأكيد علي رغبتنا في الوصول الي هدف واحد – ألا وهو النصر للألسن أو الشهادة.

في السياق السابق لن يكن مهما أن أسأل عن ديانة زميلي في تلك المظاهرة، ولن أعبأ بجنس المشتركين في مجموعة الفيس بوك فلن أحصر المشاركة فيها علي الرجال فقط مثلا، ولن يعنيني عِرق المتضامنين الذين قد يكون بينهم شخص يحمل الجنسية المصرية وأبوه أيرلندي وأمه من كفر الشيخ، كما أنه لن يعنيني إن كان بين المشاركين خريجي كلية الألسن فرع المنيا أم فرع عين شمس.

التركيز كله سينصب علي سؤال واحد: هل أنت خريج الألسن أم لا؟ وهل ستتضامن معنا أم لا؟

وبالمثل، حينما ندخل في نقاش عن وضع المرأة، فإن الرجل – فجأة وبشكل دائم وسريع ويقيني – لا يري في المرأة سوي أنها كائن له هوية واحدة "مناقضة" لهويته الوحيدة: فهي أنثي وهو ذكر. وعلي ذلك فإنه ينبغي أن ينتصر لنفسه ولباقي الذكور الذين يشتركون معه في تلك الهوية الوحيدة الحتمية والمهمة جدا.

ساعتها ينسي الرجل أنه حين يمتهن عقل المرأة ويشكك في إمكاناتها الذهنية والنفسية فإنه يمتهن نساء ينتمين له وينتمي لهن بهويات أخري، فهو إذ ذاك يمتهن المرأة العربية التي يشترك معها في العروبة، ويمتهن المصرية التي يشترك معها في مصريته وفوق كل ذلك يمتهن الإنسانة التي يشترك معها في إنسانيته.

إنه يتذكر فقط أنه ذكر وأنها أنثي – وتجري طمس باقي الهويات إلي الأبد كلما فتح موضوع المرأة وتعليمها وعملها.

نسي كثير من المصريين أيضا أن البهائيين، الذين يطالبون بأوراق ثبوتية سليمة، مصريون مثلهم، بشر مثلهم. كل ما تذكروه هو أنهم مختلفون في ديانتهم، وتخيلوا أن الإسلام لا يبيح الاعتراف بوجود بهائي في دولته.

وفي المقابل يتذكر هؤلاء المسلمون الهوية الإسلامية المشتركة مع الانفصاليين الإسلاميين في جنوب الفلبين ويقفون معهم قلبا وقالبا في وجه الحكومة الفلبينية المشركة!!! وكذلك هو موقفهم مع انفصالي الإيجور في الصين. تضامن إسلامي صميم ضد الدولة التسلطية.

نفس هؤلاء المسلمين هم الذين يمتدحون أخلاق بعض كفار مكة الذين رفضوا الشروط المجحفة والقرارات الظالمة التي سنّها وشرعها كفار آخرون ضد المسلمين أيام محاصرتهم في شعب أبي طالب. فوقف بعض المشركين موقف حق وأعلنوا علي الملأ أن هذه القرارات الظالمة ضد المسلمين ليست من الإنسانية في شئ.

فعن أي شئ دار سؤال الهوية لدي هؤلاء الكفار وقتذاك؟

لم يقتصر السؤال آنذاك علي الهوية الدينية (إسلام يناقض الكفر)، بل امتد إلى هوية العروبة والقَبَلية والرحم والإنسانية.

أبو طالب الكافر – عم النبي عليه الصلاة والسلام – كان مشغول أيضا بسؤال الهوية فرأي أنه قرشي من بني عبد المطلب فدافع عن محمد بن عبد الله بن عبد المطلب المسلم القرشي.

طبعا لست أطلب من أحد ولا حتي من نفسي أن أجعل هويتي الإسلامية في درجة متأخرة ولا حتي في الدرجة الثانية، ولكن أزعم أن أغلب الأسئلة التي تدور حول الهوية قد حسمها الإسلام بأنها لصالح الإنسانية وقليل منها لصالح الإسلام كدين حينما تقف أمامه هوية الكفر للقتال. ولن أستطرد مخافة الإطالة، وللحديث بقية.

-------------------------------

الهوية والعنف

تأليف: أمارتيا صن

يونيو 2008

العدد 352 من سلسلة عالم المعرفة

الثمن: أربعة جنيهات مصرية

Comments

الله الله الله الله
تغيب تغيب وترجع بكلمتين جامدين
اسمح لي اخد لنك للتدوينة دي
وللا لو ما سمحتش ح اخد برضه انت تقدر تقول لا؟
:p

Posted by: نوارة | 13 August 2008

الحديث عن الهويه الاحاديه غير محسوم
شخص مصري ممكن يصر علي هويه فرعونه او عربيه او يرفض كلا الهويتيتن ويمقتها ويعتقد ان امتدادة اسلامي اكبر واعمق
اذن فنفس الشخص قد يقف امام شخص اخر مصري يعتقد في نفسه هويه اخري مناقضه ومصارعه للشخص الاول
اعتقد ان الهويه هي ما نحب فقط ان نكونه وليس ما نأتي للوجود عليه
زي الهويه الجنسيه مثلا رجل يرفض هويته ويعيش يعتقد انه انثي لانه يرغب في ذلك اخر يكره عروبته هكذا وللاسف في مصر سؤال الهويه ده مختلط جدا للبعد الثقافي وامتزاج الحضارات
وتتابع الدول والاحتلالات علي ارضها
ده في ناس لسه عاوزة ندرس قبطي رغن انها ليست لغه عمل او لغه ادب مقروء الان
الاحدث بقا حديث عن الهويه القبطيه المرتبطه بالثقافه اليونانيه التي قامت علي جثه الهويه الفرعونيه كشعب وكدين{سيرابيس ورع} افتكرت هنا مسلسل ارابيسك لما اسامه انور عكاشه قال احنا مين احنا بزرميط... وكل منا يختار الهويه المريحه والمناسبه له

Posted by: بنت القمر | 13 August 2008

بسم الله الرحمن الرحيم

مسألة تعدد الهويات الفردية فيها كثير من الخلط , فحضرتك ذكرت امثلة متعددة كلها مفادها ان الهوية الفردية لا تظهر الا بوجود مثير خارجى لها , يعنى مش هافتكر انى مسلم الا لما اشوف واحد داقق صليب , ومش هافتكر انى راجل الا لما اشوف واحدة ست ومش هافتكر انى مصرى الا لما اشوف واحد اسرائيلى , وكأن ما يحكم الانسان فى تحديد هويته هو طبيعة انفعالية لديه , وهذا هو عين الخلط بين الهوية والعصبية الجاهلية , فما يعد ردة انفعالية هو العصبية اما الهوية فهى ما تحكم سلوك الفرد سواء بينه وبين نفسه او مع غيره ايا كان هذا الغير مسيحيا او هنديا او حتى خريج معهد فنى صحى , هو عنده مبادىء واخلاقيات بيتصرف على اساسها مع اى وضع او شخص يقابله .
اما قول حضرتك ان الاسلام حسم الهوية لصالح الانسانية وحصر الهوية الاسلامية فى حال مواجهة الكفار فقط فى القتال فهذا ما يمكن ان اتفق مع حضرتك عليه , والا فكيف نظم الاسلام علاقة المسلم بأخيه المسلم ؟ هل اكتفى بالقول انهم الاثنان بشر وبالتالى لا حاجة لوجود تشريع منظم للعلاقة البينية ؟ هل فى تحريم زواج المسلمة بالكافر انتصار للهوية الانسانية على حساب الهوية الاسلامية ؟ هل تحريم توريث المسلم للكافر والكافر للمسلم هو اعلاء للهوية الانسانية وجعلها الاساس فى كل المعاملات ؟ هل قول الله تعالى ( هو سماكم المسلمين ) هو تحديد واضح وصريح للهوية الفردية بأنها الهوية الانسانية اولا وتنحية كلية للهوية الاسلامية لحين القتال ؟
اعتقد ان الاسلام حسم الهوية الفردية بوضوح وصراحة بأنها هوية الاسلام التى يجب ان تحكم افكارنا وعباداتنا وسلوكياتنا ومعاملاتنا مع اى فرد اخر بغض النظر عن جوانب شخصيته الاخرى سواء كان جامعيا او اميا هنديا او فلبينيا .

Posted by: محمود المصرى | 14 August 2008

الهوية هل تكون اسلامية أم غير اسلامية؟
لكل هوية أصل هل أفصل هويتى كمسلم عندما اتحدث كمصرى؟
عندما أكون فى مظاهرة كمصرى ضد الاحتلال وأغلب المشاركين مسيحيين هل أبدأ معهم بتقبيل الصليب أم بقراءة الفاتحة؟
هناك هويات يمكن فصلها دون أن نتجنبها مثل مصرى أو عربى أو أفريقى أما الدين لا يمكن فصله ولا تجنبه

Posted by: mahmoud mahmoud | 14 August 2008

لاحظ ان الجميع يجعلون من انفسهم اولياء علي الدين
ما فهمته من الهوية انها تظهر ويتم التعبير عنها عندما يتم استنفارها
فانت عندما تكون بين مجموعة من نفس دينك او جنسك
لن تتسال او تعتقد مع نفسك انك افضل منهم ولن تتسال اساسا عن ما يجمعكم
ولكن اذا كانت هذه المجموعة مختلفة ستثور تسأولات تثيرها هويتك
مثلا كيف اتعامل مع امارة لا اعرفها هل استخدم هويتى الدينية ام الاجتماعية
وماذا اذا كانت مضطر للتعامل معها او احب التعرف اليها
هنا ستثور اسئلة عن هويتك وهويتها
واخيرا
الدين يمكن فصله وتجنبه

Posted by: Zizo | 14 August 2008

هناك هويات عدة بداخل كل منا لكن كل منها يظهر بالفعل عند إستثارته .. سواء سلبا أم إيجابا .. المشكلة التي تؤرق أحدنا بالفعل هي إحساسه بدونية إحدي هذه الهويات فيذهب البعض إلي التصرف حيالها بالسلب كتحاشي التواجد في مجتمع مناقض لها مثلا 'مصري بين أمريكان' أو كاستسهال الدعوة بالإضطهاد الجنسي أو الديني .. أو إيجابا بالدفاع عن تلك الهوية بأي صورة كإثبات نجاح مهني شخصي استنادا لعرق ما .. أو حتي كالسعي إلي جنسية أخري رغبة في'تحسين' هوية ما
يبقي أن الدين هو الهوية التي لا تقبل أي من ذلك .. فالإحساس بالهوية الدينية لا يقبل إحساسا موازيا بدونيتها .. فمثلا رغم الإضطهاد الواقع علي البهائيين في مجتمع مسلم لم يشعروا بدونيتهم .. وكذلك بالنسبة للمسيحيين وشعورهم باقليتهم في مجتمع مسلم .. وهو نفس الحال مع المسلمين أمام عالم يجتمع علي اضطهاد المسلم
إعلاء الهوية الدينية أمر فطري حتي لمن لا دين لهم ولا يقبلوا الإحساس بدونيته
بينما من السهل جدا أن تشعر بالدونية لأنك مصري أو عربي أو موبينيلي
يوما ما قال لي قائل : أنا علي استعداد للمشاركة في حرب لإعلاء كلمة الإسلام .. لكني لن أحارب من أجل تثبيت حفنة فسدة علي عروشهم

Posted by: Bothayna | 14 August 2008

انا جى أقول حمد الله على السلامة
وحشتنا يا رجل
---
حعلق لما الحديث كله يخلص
المهم دلوقتى
حمد الله على السلامة
---

Posted by: عباس العبد | 14 August 2008

طبعا ممكن أى واحد يفصل الدين أو يتجنبه ودى حرية بس هل كدة صح؟
لو كان ينفع انى أتنازل عن هويه معينه ف وقت معين تبقى دى هويه ولا لعبه ألعب بيها وقت مانا عاوز وأتخلى عنها وقت مانا عاوز
معروف انى فيه أولويات الدين الاول ولا الوطن؟
ممكن واحد يقول الدين بس لما يتعارض مع الوطن يعنى لو أنا مسلم أمريكى وقامت حرب بين أمريكا والاسلام هنا كل واحد ممكن يشوف الاولوية فين أنا عن نفسى هاشوفها ف الدين يعنى لازم يكون فيه أصل لكل الهويات بحيث مانتنازلش عن هوية الا فى سبيل الهويه الاصل الهويه الوحيدة اللى مش ممكن نتجنبها اللى لازم تكون موجودة عند أى حد سواء كانت الدين ولا غيره

Posted by: mahmoud mahmoud | 15 August 2008

حمدلله على السلامه :) فرحت جدّا أمّا لقيت لك بوست جديد ..

أنا الحقيقه بيحيّرنى سؤال تانى .. ممكن نقول سؤال من المنبع
يعنى ما حاجة الإنسان للحديث المطوّل عن هويته !! هل هى طريقه للشعور بالانتماء لجماعه ما تشترك معه فى ذات الصفات و من ثمّ تحقيق لحاجه من حاجاته الأساسيه؟

كان هذا التساؤل يلحّ على ذهنى من أيّام قليله كنت أناقش فيها مسلسل "أرابيسك" مع أحد الأصدقاء و إحدى الأفكار التى طرحها حول موضوع هويتنا و السؤال الدائم فى المسلسل : إحنا مين؟ و بصراحه وقتها شعرت أن السؤال عبثى نوعا ما و يعدّ ربّما حيله من حيلنا المعتاده لتضييع الوقت فى الجدل و النقاش حول حقيقة هويتنا و من نحن و الزمن يجرى من حولنا دون أن نصل لإجابه نتّفق عليها .. أنا شخصيا بقت أعتبر هويّتى الوحيده "إنسان" خاصة ليقينى أنّها لا تتعارض مع الهويّه الدينيه .. غير كده بقى من هويّات مثل مصريه و عربيه أفريقيه فودافون طبقه متوسطه إلخ لم أعد أعتبره صفات مميّزه "بكسر الياء"

Posted by: زمان الوصل | 15 August 2008

نوارة:
هههه ماقدرش طبعا، حكم القوي!! إنما إيه رأيك في موضوع الهويات المتعددة وإن الموقف ممكن يجعل الإنسان يعطي الأولوية لهوية دون الإضرار بباقي هوياته – خصوصا إذا ماكنش في تعارض يعني؟
----------------------
بنت القمر:
أكيد لكل إنسان حريته فى اختيار الهوية التي يراها مهمة أو أهم، لكن حتي مع ذلك يؤكد الكاتب أمارتيا صن أن ** وجود الاختيار لا يدل بالطبع على عدم وجود ضغوط تقيّد الاختيار** فربما يصرّ بعض الرجال على أن الفظاظة والخشونة والصوت العالى لا يجب أن تكون من سماتهم المميزة لمجرد أن مجتمعهم يؤيد هذه السلوكيات من الرجل ويعتبر – أي هذا المجتمع – أن الرجل ذي الصوت المنخفض والرقيق والذي يفضل النقاش مع زوجته على فرض إرادته عليها، أن هذه سلوكيات خانعة لا تليق بالرجل.
في المثال السابق يختار هذا الرجل هوية خاصة لما يسمي الرجولة أو الذكورة وهي هوية مناقضة لجماعته وما هو سائد فيها من أفكار وتصورات عن *الرجولة* وفي المقابل سيخضع كثيرون للثقافة السائدة و *يقومون باختيار* الهوية الرجولية السائدة.

نحن بالفعل أصحاب هويات متعددة بل ومتناقضة فالأسباني لا يمكنه طمس تاريخ الأندلس من ثقافته – على أي حال فإن ثماني قرون من الوجود العربي الاسلامي يصعب محوها بسهولة خصوصا مع التوغل الحضاري القوي الذي تركه العرب والمسلمون هناك.

كما أن افتراض أن الحالة الراهنة واللحظة الحالية لجماعة ما هي اللحظة الوحيدة التي تحدد هويتها الدائمة هو افتراض خاطئ، فالهوية مثل الثقافة تتغير وتتبدل بما يأتي عليها من تأثيرات أخري من ديانات وثقافات وحضارات أخري. فالفُرس أثروا في الحضارة المسماة بالاسلامية كما ترك الاسلام والعرب تأثيرا كبيرا في الفُرس.

ونحن – كمصريين الآن – تعاقب علينا غزاة كثيرون لا يتشابه بعضهم مع بعض وتركت كل جماعة جزء أضيف إلي ما سواه وإلي ما كان موجود فأصبحنا في هذه اللحظة على الصورة التى نحن عليها الآن. ولا شك أن هويتنا تتغير وتتأثر بغيرها.

أما الحديث عن إحياء اللغة القبطية فيبدو لى سخيفا لأسباب منطقية ذكرها مهدي بندق فى كتابه *تفكيك الثقافة العربية* إذ يري أنه ليس من الممكن الحديث عن ابتعاث الثقافة الفرعونية كما كان الحال مع أوروبا حينما أحيت تراثها الإغريقي لترتكز عليه نهضتها. فالثقافة الفرعونية هي ثقافة مكرسة للفن دون الفلسفة والأدب، أي أنها مكرسة للنحت والمعمار كما يري العالم كله فى الآثار الخالدة للفراعنة لكن التاريخ الفرعوني بالفعل يخلو من وجود فلاسفة وشعراء ومفكرين يمكن أن تقوم عليهم أعمدة ثقافة وحضارة في القرن الحادي والعشرين.

فما الذي يمكن أن نبتعثه من الثقافة الفرعونية؟؟ هل أسطورة الحاكم الإله فرعون التي رفضها موسي وعيسي ومحمد عليهم السلام؟ أم نبتعث التفكير الديني الفرعوني الذي يتحدث عن الحياة الآخرة والمحكمة؟ أم نبتعث النظام الديني القائم علي كهانة آمون ورع؟ أم تعدد الآلهة؟
هل للفراعنة فكر وفلسفة وأدب يمكن أن يبهرنا اليوم؟
فعل أي شئ ستقوم حركة نهضوية لإحياء الثقافة الفرعونية؟

فى المقابل، حاول نفر من اليهود إحياء اللغة العبرية وهي الآن لغة دولة كما نعلم، ففى منتصف القرن التاسع عشر نشر الحاخام *يهودا نحما* مقالا عن أهمية اللغة العبرية وجمع التبرعات لإحيائها وأنه ليس من شأن كل التبرعات أن تذهب للمرضي والجوعي والفقراء، بل تذهب إلي المتعطشين للعم والمعرفة.

فإذا كان في حد متحمس لإحياء الثقافة الفرعونية يبقي ع البركة وربنا يوفقهم؛ في ناس بتنجح أهوه.
:)

Posted by: Mukhtar | 15 August 2008

حمدالله على السلامة..

تحدي النظريات للظواهر الملموسة مش دايماً خطأ ومش دايماً صح لأن الظواهر الملموسة كثيراً ما تكون نتيجة ظرف زمني وليس طبع أصيل أو تطور طبيعي للأمور. حتى أنه كثيراً ما يتم كنوع من الإستغلال خلق الظواهر الملموسة من أجل تأييد وتأكيد فكرة فاسدة على حساب فكرة أخرى سليمة.. على سبيل المثال وضع العراقيل (أو تسهيل) السبل أمام فئة معينة من المجتمع لإثبات فكرة وجود قصور (أو ميزة) عند تلك الفئة. أو مثلاً خلق الظروف التى تدعم فكرة حق الدول القوية للتدخل فى شئون الدول المستضعفة وإحتلالها. أو مثلاً إفشال شركات ومصانع لدعم فكرة خصخصتها.. تحدي الفكرة السليمة للظواهر الملموسة فى مثل هذه الحالات أمر مطللوب بقوة

بالنسبة للهوية أعتقد أن الإنسان له هوية واحدة وما ذكرته هو مكوناتها والتي قد يبرز أحدها عن الآخر لسبب ما لكن كل المكونات موجودة فى نفس الوقت وقد يُضاف إليها عناصر جديدة مع الزمن. إحساسي هو أن محاولة الفصل بين هذه المكونات بصورة حادة عند التعامل مع موقف معيّن أمر غير طبيعي لأنها متداخلة ومؤثرة فى بعضها البعض بعمر وجود الإنسان الذى يحتويها.. زي كوباية عصير كوكتيل :) قد يغلب على مذاقها أحد مكونتها لكنها تظل كوكتيل

Posted by: مدحت | 15 August 2008

حمد اللع على السلامة..

تحدي النظريات للظواهر الملموسة مش دايماً خطأ ومش دايماً صح لأن الظواهر الملموسة كثيراً ما تكون نتيجة ظرف زمني وليس طبع أصيل أو تطور طبيعي للأمور. حتى أنه كثيراً ما يتم كنوع من الإستغلال خلق الظواهر الملموسة من أجل تأييد وتأكيد فكرة فاسدة على حساب فكرة أخرى سليمة.. على سبيل المثال وضع العراقيل (أو تسهيل) السبل أمام فئة معينة من المجتمع لإثبات فكرة وجود قصور (أو ميزة) عند تلك الفئة. أو مثلاً خلق الظروف التى تدعم فكرة حق الدول القوية للتدخل فى شئون الدول المستضعفة وإحتلالها. أو مثلاً إفشال شركات ومصانع لدعم فكرة خصخصتها.. تحدي الفكرة السليمة للظواهر الملموسة فى مثل هذه الحالات أمر مطللوب بقوة

بالنسبة للهوية أعتقد أن الإنسان له هوية واحدة وما ذكرته هو مكوناتها والتي قد يبرز أحدها عن الآخر لسبب ما لكن كل المكونات موجودة فى نفس الوقت وقد يُضاف إليها عناصر جديدة مع الزمن. إحساسي هو أن محاولة الفصل بين هذه المكونات بصورة حادة عند التعامل مع موقف معيّن أمر غير طبيعي لأنها متداخلة ومؤثرة فى بعضها البعض بعمر وجود الإنسان الذى يحتويها.. زي كوباية عصير كوكتيل :) قد يغلب على مذاقها أحد مكونتها لكنها تظل كوكتيل

Posted by: مدحت | 15 August 2008

محمود المصري:
كان هذا استنتاجك يا أخي، وأنا لا أزعم أن الهوية لا تظهر إلا بالاستنفار وإن كان له عامل في أوقات كثيرة جدا، فمثلا هناك مسلمون لا يتذكرون أنهم مسلمون إلا حينما تحدث مشكلة في الشارع بين مسلم ومسيحي وتراهم يندفعون إلي الذب عن بيضة الإسلام بكل ما لهم من قوة (وطبعا هم ليسوا من مقيمي الصلاة ولا من الذين يتجاوز القرآن حناجرهم على افتراض أنهم يقرؤنه فى رمضان فى أحسن الأحوال)... كانت هذه مجرد أمثلة عشوائية.

وبالفعل أنا أعرف أناس من هذه العينة، يتذكرون أنهم مسلمين حينما يرون صليبا، ولذلك يا أخي تجد كثيرا من الدعاة حينما يرغبون في استنفار الجماهير الغلبانة يذهب للمقارنة مع أصحاب الدين الآخر فيقولون: أن المسيحيين يتبرعون بكذا لإعلاء كلمة الباطل فلماذا تبخل يأ أخي المسلم – اتبرع ولو بخمسين جنيه وهكذا. فالخطاب يميل الى الاستنفار من خلال الكلام عن الآخر. وفعلا بيجيب نتيجة في أوقات.

أما كلامك عن وجود هوية تحكم الفرد مع الجميع فهو ما أرفضه تماما لأن اختلاف السياق يحتم اختلاف الأولويات فبعض الهويات قد لا يكون لها أي دور علي الإطلاق في سياق ما. فارجع مثلا للمثال الذي ذكرته في التدوينة بخصوص المنتمين لكلية الألسن مع شعورهم بالاضطهاد ، لن يهتم أحد بالجنس ولا العِرق ولا الانتماء الكروي ولا الطريقة التي يأكل بها أحدهم ثمرة المانجو... كل ما يهم هنا هو الحصول علي حقهم ورفع الظلم.

أما كلامي عن أن الاسلام حسم الأمر لصالح الهوية الانسانية فى غالب الأمور فله تفاصيل ليس فى إمكاني شرحها لأنها متعلقة ببحث سأقوم به قريبا ولن أنشره على المدونة. لكن يمكنني أن أحيلك إلى عقيدة الولاء والبراء واقرأ إن شئت سورة الممتحنة وسورة التوبة وسورة الحشر.

Posted by: Mukhtar | 16 August 2008

هل يمكنك إذا سمحت أن تعطيني اسم الكاتب بالحروف اللاتينية؟

Posted by: ياسمين حميد | 18 August 2008

انت يا مخ بتغيب كده على ما ترد
يا عم مشغول
موضوع الهويات المتعددة ده والله العظيم يا مخ ابصم عليه بصوابعي العشرين وكنت مقتنعة بيه قوي من زمان
في كل حاجة الحقيقة
في الهوية الثقافية والسياسية والبتنجانية
لكن احنا لسة عندنا الناس اللي عايزة تعمل تصنيفات
بس مكيفني قوي الموضوع ده
ح ابقى اجيبه الكتاب منين يا مخ؟
من ديوان؟

Posted by: نوارة | 19 August 2008

http://www.almasry-alyoum.com/article2.aspx?ArticleID=117852

فى تعليق هنا علي الكتاب

Posted by: Mukhtar | 19 August 2008

انا لم اقرا الكتاب صراحة ولكن من خلال ما كتبته انت من تحليل اجد انني اوافق امارتيا في كثير من افكاره لكن البشر بفطرتهم الالهية يميلون دائما لترتيب اولوياتهم حسب مبادئهم الشخصية وما يلوح في بالهم عند عرض اي قضية عليهم فهذه هي سنة الحياة لكن ما يفرق بين انسان واعيا متزنا في آرائه و لآخر هو سؤال واحد
ايهما الاهم وايهما المهم؟
تحليل رائع
وشكرا

Posted by: abozaid | 27 August 2008

مقالك متميز جدا، اعجبنى جدا شرحك لتعدد الهويات وخاصة مثال الذكر والانثى
وطبعا اشكرك على حديثك حول مشاكل البهائيين بمصر

اعتقد ان الهوية الاولى يجب ان تكون للانسانية، فهذا هو القاسم المشترك بيننا جميعا، بغض النظر عن مكان اقامتنا او جنسنا او نوعنا او تعليمنا
(ما الارض الا وطن واحد والبشر سكانه)

لذلك لو تعاملنا جميعا على اننا فقط "انسان" لانمحت جميع التعصبات من الوجود كالتعصبات الدينية ،والمذهبية والاجتماعية والجنسية والسياسية والعرقية فكلها تنشأ نتيجة للمغالاة فى هوية معينة والتعصب لاجلها ومحاربة المختلفين عنها

لوتذكرنا جميعا اننا انسان مهما كان مدى اختلافاتنا ، وتذكرنا ان لكل من جماله الخاص لعشنا جميعا فى سلام وامان، لاننا
(كلنا ازهار حديقة واحدة واوراق غصن واحد)

شكرا لمقالك الجميل

Posted by: اسرة بهائية من مصر | 30 September 2008

Post a comment