26 May 2009

الكلمة المحترمة والكلمة البذيئة

 

استكمالاً لموضوع تطور الألفاظ في اللغة تأتي هذه التدوينة المرتبطة بعدة تدوينات أخرى تمس ذات الموضوع.

 

أبدأ بتقرير واقع تطور الكلمات في أي مجتمع لأن من طبيعة اللغة أن تتحوّر وتتبدّل لتستجيب لحاجات المجتمع. لذلك، قد تمر بعض الكلمات خلال تاريخها ببعض التغيّرات قد تؤدي إلى ما يعرف فى فرع تاريخ الكلمات بــ

 

Depreciation or Degradation

أو ما يمكن ترجمته إلى العربية بـانتقاص قيمة الكلمة، أو انخفاض قيمتها، أو ابتذالها.

 

ودون الدخول فى تفاصيل أخرى سأتناول مثالاً من الإنجليزية، وهو كلمة:

Awful

المتداول في قواميسنا اليوم أن هذه الصفة تعني: شنيع أو بغيض أو مرعب... إلخ، لكن الرجوع إلى تاريخ تطور الكلمة قد يكون مثيراً فعلاً.

 

تذهب موسوعة وبستر الإلكترونية 2000 إلى أن هذه الكلمة أول ما وردت كانت فى ترجمة الكتاب المقدس من العبرية إلى الإنجليزية، إذ واجه المترجمون مشكلة في نقل الكلمة العبرية الواردة في سِفر التثنية التي تصف عظمة وجلال الله. فاخترعوا تركيبة من الكلمتين

Awe

+

Ful

وكان المعنى صفة الله التي تنطوي على الجلال.

 

لكن مع شيوع الاستخدام وانخفاض قيمة الكلمة أصبحت تعني: البغيض أو المرعب كما فى استخدامنا الحالي لها!!! لكن حدث تطور آخر أيضا مصاحب لهذا التطور، فأصبحت الكلمة تستخدم فى اللغة الدارجة مصاحبة للصفات الايجابية لتعبر عن قوة الصفة. فمثلا نستخدمها كالتالي:

"awfully glad,"

"awfully nice,"

بمعنى: أنا سعيد بشكل فظيع أو بشع، كما نقول فى المصرية الدارجة أيضا هذه الأيام

------------------------------------------

ومن نفس الموسوعة، كذلك كلمة

 

Bribery

 

التي تعني اليوم : الرشوة

يشير أصل الكلمة إلى كِسرة خبز تعطى للشحاذ. وفي العصور الوسطى كان بعض الرهبان يتجولون للحصول على قوت لهم بقرع أبواب البيوت، فلما كان صاحب البيت يعطي الراهب كسرة الخبز، كان الراهب يَعدُه بأنه سيصلي من أجل أن تحلّ عليه بركات الرب. وهكذا أصبحت الكلمة والممارسة ذاتها تشير إلى العطاء والأخذ في المقابل، على الأقل في مخيلة واهب الصدقة.

ثم أصبحت بمرور الوقت تشير إلى الرشوة كما نعرف معناها اليوم!!

----------------

 اللغة العربية أيضا فيها كلمات تأخذ طريقها إلى الصعود وتتحوّل من كلمة عاميّة إلى كلمة متداولة وتدخل معاجمنا، وكلمات أخرى تأخذ طريقها إلى الهبوط والابتذال بسبب السياقات التى تظهر فيها.

ومن النوع الثاني كلمة النيك.

 

يمكن للقارئ، بدلاً من الرجوع للمعاجم العربية التقليدية، أن يتصفح المدخل رقم

894

بمعجم كنز اللغة العربية للدكتور حنّا غالب، وهو موسوعة قيّمة فى المترادفات وأضدادها، صادرة عن مكتبة لبنان، الطبعة الأولى عام 2003

.

هذا المدخل خاص بمترادفات ومشتقات كلمة الزواج، وهي موجودة بالصفحة رقم

569 وما يليها.

 

وسأكتفي باقتباس عشوائي لبعض المداخل الفرعية تحت كلمة الزواج لعلّنا نعي المسألة ولو بشكل مبسّط دون الدخول في تفاصيل لغوية يمكن الاستغناء عنها لغير المتخصصين.

 

(1) في الجماع:

جَامَعَ المرأةَ، و أتاها، و أرّها، و أزّها، و باشَرها ، و باكها، وبَضَعَها ، و جَخَّها ، و جَخْجَخَها ، و جَلَدَها ، و زخّها، و زَكَبَها، و شَحَزَها، و شَطَمَها ، و شَلَقَها ، و ضاجَعها، و عَزْلَبها، وعَفَجَها ، و غَشِيها ، و فاتحها، و قَسْبرها، و تكشّحها، و مَتَنَها، و مَسَحَها، و نَحَتَها، و نقشها، ونَهْرَجها، و ناكَها، و واقعها، وتوهّدها.   

 

(2)

وفى أوضاع الجماع:

سلقها، و أعربها، ونخبها، وقعد بين شُعَبها، وشغرها، و فخّدها و فاخذها، و قرفصها، و شفرها، وكاسها ، و لجّف الفرجَ ذكرَه، ، و أولج، و طلس، و معط.

 

والناظر لهذه الكلمات القليلة من مجموع كلمات المَدخل سيرى أن فيها كلمات كثيرة تستخدم للتعبير عن اللقاء الجنسي بين الرجل والمرأة بصورة مجازية: إذ أن هناك أفعال كثيرة منها تعني في أصلها: ضرب أو هجم على آخر، أو ضرب بالسيف أو جَلَد بالسوط ونحوه.

وبالمناسبة: هل التعبير بالكلمة الصريحة، بدلاً من الكلمة التلميحية والمجازية، يعدّ قلة أدب؟

 

وكلمة النيك تطورت في اتجاه الهبوط والابتذال كما نرى، وكان من الممكن أن تبقى هذه الكلمة "محترمة" ككلمة "نهْرَجَها" على سبيل المثال أو كلمة "عزْلَبَها"، لولا أنها لسوء حظها تلقّفها صبية الشارع وكل من ينتمي للطبقة الكخّة فأصبحت الكلمة، بدورها، كخّة كبيرة لا يجوز النطق بها ولا كتابتها ولا تصديق أن الرسول عليه الصلاة والسلام نطق بها منذ ألف وخمسمائة سنة، قبل وضع المعاجم اللغوية بالطبع، حينما لم يكن بالجزيرة العربية ميكانيكيّ أو سمكريّ يصدح بالكلمة البذيئة: النَيْك.

ومادة (ن ي ك) من لسان العرب:

النَّيْكُ: معروف، والفاعل: نائِكٌ، والمفعول به مَنِيكٌ ومَنْيُوكٌ، والأَنثى مَنْيُوكة (يعني حتى مش متناكة زي ما بنقول انهاردة بالعامية)، وقد ناكَها يَنيكها نَيْكاً. والنَّيّاك: الكثير النَّيْك.

وتَنَايَكَ القوْمُ: غلبهم النُّعاسُ. وتَنايَكَتِ الأَجْفانُ: انطبق بعضها على بعض.

ويقال: ناكَ المطرُ الأَرضَ. ويقال: ناكَ النعاسُ عينه إِذا غلب عليها.

وبالرغم من أن الفعل "باكَ" يستخدم مع الحمير، و "ناك" مع الإنسان إلا أنه ورد فى لسان العرب أيضا، استشهاداً ببعض أبيات الشعر، جواز استعماله مع الإنسان. 

 

Trackbacks

The URL to Trackback this post is: http://unbrainwasher.blogspirit.com/trackback/1761823

Comments

هناك كتاب هام يتحدث عن تطور الكلمات وتراجع معانيها وصعود بعض المعاني الاخرى كما شرحت انت
وهو كتاب دلالة الالفاظ لابراهيم انيس

كتاب هام جدا ومفيد

وسأحاول الحصول على معجم كنز اللغة العربية ربما هذا العام في المعرض إن شاء الله

فهو حقا كنز

وشكرا على الافادة

Posted by: Bella | 26 May 2009

بيلا:
عظيم.
دار النشر إيه لكتاب ابراهيم أنيس؟

بالنسبة لكنز اللغة فهو رائع فعلا وتقريبا لا يمر يوم دون أن أستخدمه ، وهو على غرار معجم روجيه الإنجليزي . ثمنه من سنة ونصف كان 320 جنيه مصري. فضروري يتعمله بند لوحده فى الميزانية.
أتمنى أن يصدر فى صورة برنامج لتسهيل البحث

Posted by: Mukhtar | 26 May 2009

انا كنت جايباه من مكتبة الانجلو من كذا سنة

بس مش فاكرة السعر طبعا

اما المعجم ففعلا عايز ميزانية لوحده

رنا يسهل واشوف في المعرض

Posted by: Bella | 26 May 2009

ههههههههههههه
لا مؤاخذة ممكن اقول بس حاجة؟
المفردات تضحك قوي

Posted by: نوارة | 28 May 2009

نوارة@
لأ وشوفي لما استعملوا الكلمة مجازيا قالوا: تنايكت الأجفان وناك المطر الأرض
!!!

Posted by: Mukhtar | 28 May 2009

انا بس حبيت اشكرك على البوست اللي انت كاتبه
والبوست التاني مش بيفتح بس انا شفت نصه على الريدر

Posted by: نوارة | 10 June 2009

نوارة@
أنا مش عامل تعليقات لأن كلامي مش عايز تعليق، التعليق يتعمل عندك. حقيقي أسعدتيني جدا بتلك التدوينة، راقية ومركزة. نموذج فعلا.
تحياتي على كتاباتك كلها من أجل النفس الساخر في نقدك، وتقدير خاص لتلك التدوينة بالذات.
:)
هو أنا بالفعل رافض كلام أوباما ورافض موقف المعجبين بكلامه إجمالا وتفصيلا، لكن حتى الموافقين على كلامه يمكنهم قراءة التدوينة والاستمتاع بجودتها بنفس القدر.وده جزء من تميز التدوينة.
خالص تقديري يا نوارة

Posted by: Mukhtar | 10 June 2009

مختار
تدوينتك الاخيرة مش بتفتح ليه؟
ابقى شوفها

Posted by: صديق | 30 June 2009

Post a comment