17 August 2009

تخفيض 50% حاليا على إصدارات المشروع القومي للترجمة

بشرى ساره لمحبي الورق

تخفيض 50% على إصدارات المشروع القومي للترجمة بالمكتبة الكائنة في المجلس الأعلى للثقافة، بالأوبرا.

التخفيض مستمر منذ أيام ولغاية نهاية سبتمبر بعد أن كان محصورا في السنوات الماضية على شهر رمضان فقط – على حد علمي.

DSC04187.JPG

 

 

 

إصدارات المشروع القومي للترجمة أصلا سعرها رخيص، وسيكون من دواعي السرور والابتهاج والحبور أن تحصل على ما تحب الآن لأن حتى في فترة معرض الكتاب لا تزيد التخفيضات على هذه الإصدارات عن عشرين بالمئة.

سِيحوا في الأرض وسيّحوا للخبر – أنا عرفت بالصدفة وأنا هناك.

ملحوظة: الجمعة أجازة

 

 

22:53 Posted in Events | Permalink | Comments (0) | Trackbacks (0) | Email this | Tags: books

09 August 2009

مِن بعد هبة نجيب

“Damn it all, you can't have the crown of thorns and the thirty pieces of silver.” – Aneurin Bevan (1897 – 1960)

(1)

إن كان "مولد" هبة نجيب قد انفضّ، فلا يزال بقية من "حمّص" قد يكون من الحكمة أن نطلبها. لا أدري تحديدا سر انبساطي من النقاشات التي دارت حول قضية هبة نجيب في الفضاء التدويني، ولم أجهد نفسي بالتفكير في السبب وفضّلت أن أطرح سؤالاً أعدّه "الإطار الأكبر" لقضية هبة وحقها – لأنني أناصرها بالطبع – في حرية التنقل دون موافقة أسرتها طالما أنها عاقلة راشدة مسئولة. والسؤال:

ما الغاية التي يسعى إليها أولياء الأمور والمؤسسة التعليمية عموما في عملية التنشئة الاجتماعية – طالما أننا نتحدث عن التربية وحق الأب وحق البنت والمجتمع والدين؟

وأبدأ من مرحلة ولادة الطفل ؛ لأنه ما دام جنينًا فالله يتكفل تمامًا برزقه في أحشاء أمه. أمَا وقد صرخ الطفل صرخته الأولى فقد أصبحت احتياجاته مسئولية إلزامية على الأسرة والمجتمع. ولأن العاقل والأحمق يعلم تمام العلم أن هذا الطفل بلا حول ولا قوة فالفطرة تدفعنا دفعا نحو تلبية احتياجاته – ببساطة لأننا نعلم يقينا أنه "غير مستقل"، يحتاج من يطعمه ويسقيه. وخلال المراحل الأولى من حياته يوصى الجميع بشئ أساسي مهما اختلفت طرق التعبير: علّم الطفل يعتمد على نفسه واحدة واحدة. أغلب الأطفال سيبدؤن بإطعام أنفسهم – حتى لو بهدلوا هدومهم ودلقوا الأكل – قبل سن سنتين بالطبع. وتبدأ الأسرة عموما في الانسحاب تدريجيا من حياة الطفل كلما تعلّق الأمر بشئ أرادت الأسرة أن يكتسبه الطفل ويتعلمه ويؤديه بنفسه ولنفسه: يعني نترك الطفل ينام في غرفته بعد أن كان يشارك الأب والأم في السرير، نتركه يتناول طعامه وشرابه ونكتفي بالإعداد فقط، نتركه يلعب ويجمع اللعب.

وبنفس المنطق، وبدرجات تعقيد أكبر، تتجه عملية التنشئة الاجتماعية نحو نفس الهدف: الانسحاب بهدوء من حياة الكائن البشري الأحدث سنًّا حتى يحقق استقلالية بنسبة كبيرة تجعله قادرا على "فتح بيت" ليبدأ عملية التنشئة بدوره مع كائن جديد.

إذن هدف التنشئة الأسمى هو استقلالية الإنسان.

---------------

(2)

في العبارة الكائنة أعلاه المقتبسة من كلام لوزير الصحة البريطاني السابق أنيورين بيفان (1897 – 1960) تكمن المفارقة – وإن كان لم يتفوه بالعبارة في سياق يشبه السياق الحالي – في أنه في أحيان كثيرة يتعيّن على المرء أن يحسم اختياره لأن جمع "الحُسنيين" أمر عسير، إن لم يكن مستحيلا في بعض الظروف. ويمكنني أن أترجم العبارة الواردة في صدر التدوينة كالتالي:

" .. أم كده يعني، هوّ إنت إزاي عايز تلبس تاج المصلوب بيمينك، وتاخد تمن الوشاية بشمالك!؟"

الإشارة طبعا لمن يريد أن يلعب دور يهوذا ودور المصلوب في نفس الوقت. صحيح والله إنه لأمر عجيب! كيف نريد الوصول بعملية التنشئة الاجتماعية إلى ذروتها: استقلالية الفرد، ونريد في نفس الوقت استمرار الوصاية الأبوية إلى أن يموت الأب (لا يهم عمر الإبن/ة – سبعة وعشرين أو سبعة تمانين لأن اللي مالوش كبير بيشتري كبير)؟

الإنسان الذي يصل إلى سن 27 عام ولازال ينتظر "منّ" الأب وتفضّله عليه والسماح له بالذهاب إلى هنا أو هناك، ولازال ينتظر موافقة الأب والأم على تسريحة شعره، ونوع الكتاب الذي يقرأه، ومجال الدراسة أو العمل الذي يريده، والهواية التي ينبغي الابتعاد عنها ... إلخ – هذا الإنسان لا يمكن أن يكون مستقلا بحال من الأحوال، ولا ينتظر منه "فتح بيت" وتنشئة ذريته على الاستقلالية.

--------------

(3)

واستفزّني جدا موقف المعارضين لحق هبة حينما استرسلوا في عرض المنطق الذي يستندون إليه، إذ ذهب نفر كثير إلى أنه:

مش بعد ما الأب ربّى وضحّى وسافر واتغرّب وشقي يكون جزاؤه العصيان والتمرد، وبعدين هوّ إنتي عايزه إيه، ما انت متلئحة واكلة شاربة نايمة لابسة وهو اللي بيصرف عليكي. ده جزاؤه؟

وغرابة هذا المنطق لا تكمن فقط في تهافته – الأب عايز طاعة تمن التربية اللي هو أصلا ملزم بيها شرعا وقانونا – ولكن أيضا في عدم اتساق هذا المنطق مع صحيح الشرع الذي يدّعي أصحاب هذا المنطق أنهم يتحدثون وهم واقفون على منبره. وانعدام الاتساق هنا يكمن في أن الشرع حينما تكلّم عن قضية الرزق – وخصوصا رزق الطفل في سياق وأد البنات – شدّد على أن الله يرزق الأب والطفل، ويرزق الطفل والأب، هكذا بصيغتين فيهما تقديم في واحدة وتأخير في الأخرى. لذا فإنني أجزم أنه من سوء الأدب مع الله أن نتحدث عن الأب بصفته "رازق" و "كفيل" و "وليّ نعمة" من حقه الطاعة والخضوع في كل شئ مقابل "الرزق" الذي يوفّره لك أيتها الذرية العاقّة.

--------------

(4)

وطالما تحدّثنا عن عقوق الأبناء للوالدين، أظن أنه آن الأوان – بغض النظر عن قضية هبة – أن نناقش عقوق الوالدين للآبناء. وأحسب أن غرس الخنوع والخضوع والطاعة العمياء وسياسة "ليّ الذراع" وقهر الإرادة والاستبداد بالرأي - أحسبها جميعا من مظاهر عقوق الأب لابنه.

----------------

(5)

ولأن "المولد" انفضّ بعد كلام هبة عن الوصول لتسوية، كان لزاما أن نبحث عن بقية من حمّص نخرج به من هذا المولد في شكل أسئلة أطرحها على نفسي:

كيف تنظر إلى الأموال والسنوات والرعاية التي صرفتها في تنشئة ذريّتك؟ هل هي واجب ساهمت أنت في صنعه (لأنك، عزيزي، اتخذت في مرحلة سابقة قرارا بإنجاب طفل. تذكّر دوما أن طفلك لم يتخذ هذا القرار ولم يشارك فيه)، أم أن كل "شقاك" هذا هو "شقى" و "ضنك" و "منحة" تدفعها لذريتك في مقابل الطاعة العمياء؟

إذا أحسنت تربية ذريتك دينيًا ثم فاتحتك هذه الذرية في سن العشرين برغبتها في تغيير دينها فهل ستمارس عنفًا ضدها؟ (من حقك أن تغضب وتتحسّر وتحزن وتقاطع طبعا) الإجابة عن هذا السؤال اختبار حقيقي لسقف موقفك من مسألة الاستقلالية الفردية.

ما الغاية من التنشئة الاجتماعية؟

-------------

(6)

صحيح أن الحديث النبوي يتكلم عن أن "كلكم راعٍ وكلكم مسئول عن رعيته" لكنّ الآية الكريمة تذهب إلى أن "كل نفس بما كسبت رهينة". لذا يجدر بنا أن نعي أن المسئولية عن الآخرين لها حدود وليست مُطلَقة، وبالنسبة للوالدين أعتقد أنه يكفي جدا التربية والتوجيه لمدة عشرين سنة كاملة من حياة الإنسان.

(7)

تجدر الإشارة إلى أن المتعلقات الشخصية للأفراد (كجواز السفر والبطاقة إلخ) ينبغي في الأحوال العادية ألا تكون مشاعًا أسريًا، ولا ينبغي أن يحرم صاحب السلطة (سلطة السّن أو غيرها) الآخرين من حيازة هذه المتعلقات.

-------------

(8)

من جملة الاعتراضات على المتضامنين مع هبة قول البعض:

إنت لو عندك أولاد هتحس أد إيه اللي هبة بتعمله غلط ومسئ وحرام إلخ

لديّ طفل عمره سنتين ونصف وأؤيد حقه في اعتناق ما يشاء حينما يصبح مسئولا عن أفعاله. ولم يكن موقفي ليختلف لو كانت الذرية إناثا.

الضمير الديني مِلكية فردية، وليس مشاعًا أُسريًا. والمسئولية في الإسلام فردية، لأن راعي الأسرة لا بد له أن يترك الحبل على الغارب في وقت معلوم. يكفيه أنه غرس القيم والمعتقدات طيلة عشرين سنة. ولا أعتقد أن الله سيسألني عما فعله ابني وهو في سن الثلاثين؛ سيسألني فقط عن رعايتي له وتوجيهه وتنشئته وتقويمه وقت احتياجه لذلك.