15 November 2007
حول قضية سمينة مالك
من خلال قراءة تعليقات الناقدين لنوارة أعتقد أني وضعت يدي علي بعض المشاكل في تناول قضية سمينة:
1
لم تقل نوارة ولا أنا أن مصر أفضل من إنجلترا في مجال الحريات التي يتمتع بها المواطنون هناك (لاحظ أن الحريات للمواطنين الإنجليز أما العراقيين فلهم القتل والتشريد والتعذيب فالحرية ليست حقا لكل إنسان بافتراض أن العراقيين بشر ابتداء) ولذلك فأنا أتعجب من الأخوة الناقدين لأنهم يحشرون مصر في النقاش وكأننا بصدد مقارنة بين حجم الحريات هنا وهناك أو كأننا نتكلم بلهجة الفخر والاعتزاز بالحرية المصرية. فلست أري سببا منطقيا لتذكيرنا بأن مصر سجنت كريم وطلعت السادات وأيمن نور، إنما هو خروج عن مسار الحوار.
نحن نحاول كشف التناقضات في موقف إنجلترا من الحريات داخل حدودها، وأيضا في تعاملها مع قضايا الحريات عندنا أو في أي بلد إسلامي يمنع أو يصادر كتابا بقوة البوليس أو حكم محكمة.
2
الناقدين تعاملوا مع الكتب والوثائق الشنيعة الخطيرة المنسوبة لزعيم القاعدة علي أنها كُتبت بخط يده يقينا. أحب أن أذكر السادة المتابعين أن وثيقة مثل بروتوكولات صهيون خضعت للدراسة وقيل فيها ما قيل من أنها منسوبة زورا وبهتانا لليهود. وعلي ذلك أرجو أن نتساءل ونمارس فضيلة الشك قليلا حينما تأتي سيرة كتاب دليل القاعدة وموسوعة الجهاد الأفغاني. بالمناسبة كيف عرف العالم شيئا عن دليل القاعدة؟ لقد عثر عليها البوليس الإنجليزي في إحدي هجماته علي وكر من أوكار القاعدة في مانشستر. يمكنك قراءة الكتاب هنا لتري كم الذكاء والخبث والسرية التي تتفجر من جنبات أعظم إرهابيي العالم علي مر العصور، فتنة الأزمان ومقلّب الأذهان أسامة بن لادن. وفي نهاية القراءة ستتأكد أنها جماعة سرية حويطة جدا جدا جدا.
http://www.usdoj.gov/ag/manualpart1_1.pdf
بالمناسبة الموقع الذي ينشر هذا الكتاب الذي يمكن استخدامه لتحضير عمليات إرهابية هو موقع وزارة العدل بالولايات المتحدة الأمريكية، فهل يمكن محاكمة وزارة العدل بنفس التهم الفضفاضة؟
3
حتي لو افترضنا صحة نسب هذه الوثائق فهل يمكننا بالمثل منع الروايات البوليسية والأفلام التي تقدم بشاعة المنظمات الإرهابية وخططها؟ يعني ما الفارق بين فيلم في فور فينديتا مثلا وكتاب القاعدة المزعوم؟ أليست هناك أعمال أدبية وفنية وكتب عن حرب العصابات ويتم تداولها باعتبارها تراث عالمي؟ وهل إمتلاك الكتب أيا يكن ما فيها من كلام يمكن أن يعتبر جريمة؟
4
لقد قرأت معظم دليل القاعدة فما وجدت فيه سوي كلام مائع من عينة القضاء علي الأنظمة الكافرة في البلاد الإسلامية، واستعادة الخلافة، ةالإستعمار الآثم الذي يجب أن نقضي عليه، وتوصيات بتدمير وتفجير الكباري وأماكن اللهو والفسق والفجور... إلخ وكيف تؤجر شقة لتختفي فيها وتمارس نشاطك منها، ويستحسن أن تؤجر الشقة باسم مستعار هههههه (ونعم النصائح الإرهابية!!!) ويجب أن تكون صورتك في جواز السفر بدون لحية، ثم بعض التبيهات والدروس المستفادة من أحد الجواسيس الألمان في الحرب العالمية الأولي (باردو أسامة مثقف وآري)، ومتطلبات المنظمة الإرهابية من المعلومات والنقود التي يجب استثمارها بغطاء وأسلحة وجوازات سفر مضروبة... في الحقيقة إنه دليل ومرشد لكل من أراد تأسيس جماعة إرهابية علي أحدث طراز وتتمتع بسرية رهيبة وتكنيك مستحدث في التخفي.
بالمناسبة أدين أبو حمزة المصري في بريطانيا بعدة تهم من بينها إمتلاك موسوعة الجهاد الأفغاني.
5
في هذه الحالة هل يمكن أن يقوم بلد إسلامي يريد تطبيق الشريعة بالقبض علي كل من يملك في بيته كتابا لفويرباخ وماركس لأنهم ينشرون الإلحاد ويقوضون دعائم الحكم والسلام الإجتماعي؟ وهل في هذه الحالة يمكن لبريطانيا التدخل لنشر الحرية والديمقراطية؟ فإذا كان من حق بريطانيا تحديد ما يؤثر علي أمنها وسلامتها فلماذا تتدخل للدفاع عن كاتب ملحد في بلد آخر (وهذا البلد الآخر يريد أيضا أن يحدد ما يؤثر علي سلامته)؟ يعني ما معني الكلام عن حرية التفكير والتعبير والنشر باعتبارها قيم غربية يجب تعميمها وفرضها عل كل مجتمع في حين أن ظروف إنجلترا جعلتها تضع قيودا وسقفا منخفضا لتلك الحريات؟
أعتقد آن الآوان لتفكيك أساطير غربية كثيرة من عينة وهم إمتلاك الحقيقة المطلقة بخصوص تعريف وممارسة الحرية، وحجم الضغوطات الإعلامية والسياسية التي تُمارس علي شعوب أخري لتغيير مواقفها بشأن ما تعتبره ثوابت قومية أو دينية.
6
قرأت الأجزاء المنشورة من القصيدتين. الأولي كيف تقطع رأسا. وتقول فيها أن المسألة ليست صعبة ولا معضلة، سن السكينة جيدا وقبل ما تقطع دماغ المغفل خلي الدماغ تميل علي الشمال، وحرك السكينة للأمام والخلف، وأكيد المغفل هيصرخ، طنش دين أمه، ما تتوقفش وكمّل تقطيع ...
تم تحليل هذا النص البلاغي المعبر علي أنه يمكن استخدامه في عمليات إرهابية!!!!.
والقصيدة الأخري: الشهداء الأحياء. وهي أسوأ من الأولي من حيث التراكيب والأسلوب. ما علينا. الفوضي والألم والدم يهطل كالمطر وأصبح عاديا أن تغتصب الفتاة من قبل الكفار المعفنين القرود، والطفل يولد بلا خطيئة ويُعطي بندقية لعبة، ... والبنت تختطف من يد أمها وأصبحت الآن مجرد رمال علي أيدي من يدعون أنهم بشر. إنهم يصيبونني بالجنون. لكن الشهداء الأحياء متيقظون وسوف يرتج عالم الكفار ...
طبعا من الواضح جدا أنها وثائق خطيرة ويمكن أن تستخدم في العمليات الإرهابية.
ومن ضمن دلائل التهم أنها كتبت في موقع هاي فايف أنها تستمتع برسائل بن لادن ومشاهد قتل الكفار، وأنها تود مساعدة المجاهدين بأي طريقة ممكنة.
7
تحدث البعض عن أن قانون الإرهاب معروف في إنجلترا وبالتالي فلا عذر لها. نعم القانون معروف ولكن القول بأن الوثائق الموجودة لديها هي التي ينطبق عليها القانون قول يثير الضحك فعلا. قهي مدانة بموجب قانون الإرهاب 2000 الذي ينص علي أن تعريف الإرهاب هو أفعال التهديد الذي يرجي منها التأثير علي الحكومة أو تخويف العامة أو بعض العامة. أو تهديد بغرض تقديم قضية سياسية أو دينية أو أيديولوجية. أو الفعل الذي ينطوي علي عنف خطير ضد شخص أو إضرار خطير للممتلكات أو تعريض حياة شخص للخطر (غير الإرهابي طبعا)، أو ما يشكل مخاطرة كبيرة للصحة أو أمن العامة أو جزء من العامة أو الفعل الذي يقصد منه التأثير علي الأنظمة الإلكترونية، أو استخدام الأسلحة النارية أو المتفجرات.
فهل القصيدتين وتعبيرها عن أنها تحب فيديوهات بن لادن ورغبتها في الإستشهاد كلها أفعال تخضع لقانون الإرهاب الذي أدينت بمقتضاه؟؟
في هذه الحالة هل يمكننا تحريم تداول قصيدة عبء الرجل الأبيض للشاعر روديار كيبلينج في مصر أو السعودية مثلا لأنها تحرض علي العنصرية والإحتلال الأجنبي؟؟ وعلي ذلك يتم القبض عليّ إذا ما قررت أن تكون رسالة الماجستير بخصوص هذه القصيدة (في حال موافقتي علي ما تحويه ودعوتي له)!!!؟ أو إذا قررت أن أقرأ القصيدة في بيتي أو إذا قمت بتحميل القصيدة من أي موقع إلكتروني؟
8
هل تعبير الفتاة عن حبها للجهاد والإستشهاد لا يمكن تفسيره إلا من خلال رغبتها في تفجير شئ في إنجلترا؟؟ أم أن حب الجهاد والاستشهاد يجب أن يكون مفهوما مذموما في ذاته بغض النظر عن أي سياقات؟
لا عجب إذن فالجهاد والاستشهاد لا يفسر إلا علي هوي بريطانيا وأمريكا فمنظمة التحرير الفلسطينية وحزب الله منظمات إرهابية، وكل من يحمل السلاح ضد أمريكا في العراق إرهابي. أتذكر جيدا مقولة رامسيفيلد أثناء إجتياح العراق إذ قال أن الجنود العراقيين الذين سيبدون مقاومة لقوات التحالف سوف يحاكمون بتهمة مجرمي حرب.
10:20 Posted in East and West | Permalink | Comments (49) | Email this | Tags: Human Rights, Samina Malik, Logical Fallacies
13 November 2007
الشعر الإرهابي التفجيري الإسلامي العربي
حبسوها تمهيدا للحكم عليها لأنها كتبت شعرا إرهابيا.
نستفيد من هذا أن العالم الغربي يقول لنا: إياك أن تحرق كتاب سلمان رشدي فهو حر ومبدع ولا يمكن محاسبة انسان علي مجرد كلمات، بينما من حق الغرب حبس انسان مسلم لأنه كتب شعرا. أو ليس الشعر كلمات؟
الأمر خطير ومرعب لأنه يستند إلي أسخف التهم علي وجه البسيطة: تهمة التحريض.
نوارة كتبت ولفتت نظري للخبر علي بي بي سي
الموضوع خطير لأسباب كتير أهمها إستمرار دخول الخوازيق فينا جميعا من جميع الزوايا وبجميع الأطوال الممكنة وغير الممكنة. الموضوع خطير لأنه جاي من قلاع التنوير والحرية
وخطير لأن كفيف البصيرة يقدر يشوف إن الهجمة المسعورة مقصود بيها كل عربي ومسلم ويلعن دين أم نظرية المؤامرة علي دين أم اللي ماسكها لبانة في بقه.
وخطير لأنه بيعري كل عرص تنويري سمع ولا فشخش بقه زي مبيعملوا مع كل عرص زيهم.
وخطير لأنه ضد العقل والمنطق تماما إنك تحبس حد لمجرد أنه بيسمي نفسه عابد الشيطان أو عاشق كلوت يسرا أو إرهابي الشعر.
خطير جدا إن أي دولة في العالم – خصوصا لو بتقول إنها شرموطة التنوير والعقلانية – تحكم علي حد بالسجن أو المؤبد لمجرد أنه بيكتب عن حبه للشهادة ووصفه لتقطيع الرؤوس.
خطير ومرعب جدا إنك تتحبس لمجرد إن الهارد ديسك بتاعك عليه مجموعة كتب من بينها كتب عن تحضير السموم ونصائح للتخفي والمراوغة، أو كتاب الحكومة الإسلامية لأبي الأعلي المودودي أو معالم في الطريق أو كتاب كيف تجعلين زوجك كالثور الهائج علي حلبة السرير.
خطير ومرعب جدا إن يبقي في دولة بتحاسب الناس بشكل عشوائي في مسألة الأفكار والتعبير: يعني إيه معني إباحة التعبير عن كل ما هو جنسي وإباحي ومشجع علي الإلحاد وتعاطي المخدرات والدخان ثم القبض علي كل من يعبر عن ضرورة الجهاد ويمدح في بن لادن؟ أليست كلها أفكار؟؟
صحيح أن لكل مجتمع ودولة الحق في تحديد ما يشكل خطرا عليها وعلي سلامة وأمن المجتمع وأمن الدولة لكن في هذه الحالة أيضا ما معني الضغوط التي يمارسونها علي الدول العربية والاسلامية لإباحة التعبير عن الجنس والإلحاد في مجتمعاتنا؟؟؟؟
والموضوع خطير لأن المعرصين الذين وقفوا وراء سلمان رشدي وإرشاد مانجي وتسليمة وغيرهم علي أرضية حقوق الإنسان – هكذا بالألف واللام ومطلقة – يغضون الطرف اليوم عن حرية التعبير وحقوق الإنسان. عن أي إنسان يتحدثون بالمناسبة؟ وهل تطور العرب والمسلمين وخرجوا من مرحلة الشامبانزي من وجهة نظر الغرب أم لا؟
والأمر خطير لأننا يوميا نتأكد أن المعرصين ولاد الشرموطة اللي كانوا فرحانين برواية جورج أورويل 1984 واعتبروها انتصارا للديمقراطية والليبرالية الغربية علي الشيوعية والفاشية السوفيتية وقت صدورها في منتصف القرن العشرين يمكنهم أيضا الآن أن يتأكدوا أن أورويل كان ينتقد الاستبداد أينما وجد ولم يكن يقصد أبدا مدح الحضارة الغربية بل إن الأمر أعقد من ذلك أيضا فجورج أورويل رأي ببصيرته أن الأمر يوشك أن يقع في الحضارة الغربية أيضا ودول الديمقراطية التي تنتكس بسرعة مذهلة فأصبحت تقيم شرطة للفكر – عفوا شرطة للفكر العربي والإسلامي فقط وشرطة للانترنت تتابع أي قصيدة لأي شخص له اسم عربي أو اسلامي، شرطة الفكر العربي والاسلامي أصبحت أيضا تحاكم الناس علي اقتناءهم للكتب.
وإذا كانت رواية 1984 يتم تحليلها علي أنها انتصار للديمقراطية الغربية وسيفا علي رقبة الشيوعية فاليوم تحكي هذه الرواية عن بريطانيا بالأخص.
منذ ثلاث سنوات كنت لا أزال أحتفظ بكتاب الحكومة الإسلامية في مكتبتي وأجلت قراءته كثيرا. بعد اعتقال كل زملائي وأصدقائي بتهمة إطلاق اللحية والجلباب القصير قمت بفرز مكتبتي وأخرجت عدة كتب يجب التخلص منها كان من بينها الحكومة الاسلامية.
فإذا كنا نفعل هذا في مصر فالحال كان هكذا دائما ولسنا بمخدوعين لكن بريطانيا بلد جون لوك وجيرمي بنثام الذي دافع في القرن التاسع عشر عن الشواذ وبلد دي إتش لورانس والكاتب المبدع العبقري الفذ سلمان رشدي!!! فالأمر محير ويتجاوز دين أم منطق نظرية المؤامرة والغرب الشرير.
حينما يتكلم الغربي عن حرية الانسان وحرية التعبير اسأله أولا – قبل الدخول في أي تفاصيل – ما المقصود بالإنسان وما معني الحرية وهل هناك حدود للتعبير أم لا.
احفظوا ذاكرتكم وتذكروا أقوال وأفعال العالم الغربي وكفاكم جلد ظهوركم بأيديكم.
تحديث: 2:30 عصرا نفس اليوم
لفت نظري أن تعليقات كثيرة جاءت علي موضوع سمينة تقول:
رحلوها الآن،
إرموها برة البلد،
هل هناك من لازال يعتقد أن "هؤلاء الناس" يمكن أن يستوعبوا ديمقراطيتنا،
وأتمني أن تنال عقوبة الإعدام فهكذا يكون الحكم علي الارهابيين،
والأشخاص من عينتها هم اللذين يقدمون الوقود اللازم للقيام بالعمليات الارهابية،
هذا هو الاسلام دين السلام،
يجب أن تسجن فترة طويلة ثم يتم ترحيلها،
هناك الآلاف من عينتها.
لكن الحمد لله لاحظ إثنان من المعلقين أنها بريطانية مولودة في بريطانيا فإلي أين يجب ترحيلها؟
:))
09:10 Posted in East and West | Permalink | Comments (16) | Email this | Tags: Human rights, UK, freedom of expression, Pimping, Rushdie
08 November 2007
العالم الغربي والإسلامي: التاريخ والدين
التاريخ
(1)
كنت أشعر بالإستفزاز والغضب منذ سنوات لمجرد سماع عناوين مثل "الإسلام والغرب" – سواء وردت كأسماء لكتب أو محاضرات أو مؤتمرات، وسواء كان مؤلفوها أو منظموها من العالم الإسلامي أو العالم الغربى. فقد كنت أشعر أن حديث الغربيين يضعنا في المركز بلا داعي سوي نظرية حتمية خلق عدو حتي يتم إستهلاك الخطاب الغربي فيه بعد إندحار الشيوعية فكان الخطر الأخضر كما زعم الفاشلون هو الخطر البديل وكأن الخطاب الثقافي والسياسي الغربى لا يمكن أن يكون له حضور إلا فى وجود خطاب ثقافي وسياسى وأيديولوجي مضاد! ومن ناحية أخرى شعرت أننا – كمسلمين وعرب – نضع الغرب في بؤرة الإهتمام بلا داعي ونحاول دائما أن نخاطبهم وكأن العالم ليس فيه سوي الغرب، وكأنه ليس من الممكن أن نطرح عناوين موازية مثل: الإسلام والصين أو الإسلام وإفريقيا.
وكان من دواعي غضبي أن أجد عشرات البعثات والأفراد الذاهبين إلي الغرب – أوروبا وأمريكا – للدعوة وتصحيح الصورة المشوهة، فعلي مستوى الأفراد والجامعات بدا لى أن العالم بالنسبة للدعوة الإسلامية محصور في الغرب، علي الرغم أننى كثيرا ما قرأت عن عدم وصول الدعوة إلى مناطق كثيرة جدا في إفريقيا، بل أن هناك ندرة في وجود المصاحف للمسلمين الذين يتكلمون العربية في إفريقيا! وهكذا فقد كنت أسخر – مع أحد أصدقائي – من هذا الخطاب السائد بقولنا أن المسلم المصري حينما يرغب في نشر الإسلام فإنه يفكر في الزواج بإحدي فتيات روسيا الملحدات حتي تدخل الإسلام عن طريقه فينال الثواب الجزيل، في حين أنه لو عُرض عليه أن ينشر الإسلام بنفس الطريقة في موزمبيق لتراجع وادعي أنه مجبوب.
(2)
غير أنى تخلصت من توجهى هذا واستبدلته بتوجه آخر بعد ذلك بسنوات منذ هجمات سبتمبر. فقد سألت نفسى – خلافا للفكرة التى تبنيتها سابقا – لماذا نحن مشغولون بالغرب؟ السؤال بدهى وبسيط لكن فاتني أن أسأله لنفسى قبل ذلك الوقت. والإجابة عنه لا تقل بساطة بالمناسبة. ليس مما يقع ضمن معلوماتي التاريخية أن كان للإسلام مواجهة مع الكونفوشيوسية ولا كان للملسمين حروب وصراعات مع الصين وشرق آسيا بنفس الكثافة كما هو حالنا مع الغرب، لذلك فمن المنطقي ألا يوجد تراث من البغض والكراهية يحتاج لآلآف الكتب والموسوعات والندوات والمؤتمرات للتقريب بين الإسلام والكونفوشيوسية وعلي ذلك فالخطاب السائد يكاد يخلو من الحديث عن علاقة الإسلام بالكونفوشيوسية، ولربما انحسر الكلام عن المسلمين في الصين وتاريخهم فقط. لكن الحال مع الغرب مختلف تماما، فالماضى الذي بيننا وبينهم يفرض نفسه بكل قوة وبالتالي فمن المنطقي أن يكون الإسلام حاضرا في ذهن الغربى دائما وأن يكون الغرب حاضرا في ذهن المسلم والعربى بنفس القوة.
معلوماتي التاريخية البسيطة تشير إلي أن تاريخ المواجهات بين المسلمين والغرب يعود إلى عصر الإمبراطورية الإسلامية ومشاريعها التوسعية منذ عمر بن الخطاب مرورا بالغزو الإسلامي للأندلس ومعركة بواتييه في جنوب فرنسا في القرن العاشر الميلادي والتى كانت آخر نقطة للتوسعات الإسلامية، والحروب الصليبية التى استمرت قرابة قرنين من الزمان، وسقوط الأندلس، ثم الهيمنة الغربية علي المنطقة في عصر الإمبراطوريات البريطانية والفرنسية في العصر الحديث ، وسقوط فلسطين، ثم تحرر الدول العربية والإسلامية من الإحتلال
(Decolonization)
ثم النكسة والردة إلى عصور الإحتلال مرة أخرى في عهد الإمبراطورية الأمريكية وإعادة إحتلال أفغانستان والعراق، والتواجد الأمريكي المستمر في الخليج بعد تحرير الكويت من العراق في أوائل التسعينيات، وهو ما بات يعرف باسم
(Re-colonization)
بعد أن أجبت عن السؤال: لماذا نحن مشغولون بالغرب؟ إجابة مختصرة كما في الفقرة السابقة بدا لي أن تاريخنا أصلا لم يكن فيه – تقريبا – سوى الغرب؛ لذلك فمن المنطقى أن يكون حاضرنا إمتدادا لتاريخنا. وعلي هذا فإنه – حتي بدون وجود مواجهات ومشاحنات جديدة من عينة رسوم الدنمارك وآيات شيطانية والحجاب الذى ترتعد منه فرنسا – تاريخ يفرض نفسه علي الوعى واللاوعى، بل ويحدد الأطر العامة التي تحكم أى مواجهة جديدة، وبالتالى فقد وجد الكثيرون في العالم الإسلامى والعالم الغربي، بحسن نية أو بسوء قصد وتدبير، أن الخطاب الذي يجب أن يسود هو الصراع أو التناغم بين الإسلام والغرب فصدرت عشرات الآلاف من الكتب والدوريات والمقالات والموسوعات، وافتتحت مؤتمرات وندوات وبرامج للغرض ذاته. لقد بات من المعلوم بالضرورة لكل غربي ولكل مسلم أن القَدَر قد كَتَب على العالم الإسلامي والغربى أن يظلا فى شقاق بعيد إلى يوم الدين.
لذلك فأنا أقدّر اليوم الأسباب التى تدفع الساعين إلى التوفيق أو إلى إثارة البغضاء بين الشرق والغرب إلي الإصرار على طرح ثنائية الإسلام والغرب دائما وتقديمها علي كل ما سواها لأن أكثر من ألف وأربعمائة سنة من المواجهات كفيلة بأن تكون حاضرة في الوعى فضلا عن اللاوعى. أتفهّم الموقف ولست بالضرورة أؤيد نظرية الصراع أو نظرية التزاوج.
------------------
الدين
كان ما سبق بخصوص التاريخ، أما بخصوص الدين فالمسافة بين الغرب والعالم الإسلامي لا تحتوي علي خنادق وأخاديد أقل إتساعا أو أقل عمقا. فسواء تجلّى العالم الغربى فى مخيلة المسلمين - خاصة الشرقيين – على أنه مسيحى يهودى حتى النخاع أو علمانى ملحد داعر مادى وثني، أو حتى كون الغرب مزيجا من الإثنين فسيظل العالم الغربى بقعة نجسة لا ترقى إلى عظمة الإسلام وأخلاق وعادات الشرقيين وروحانيتهم. كما أن الإسلام فى مخيلة الغربيين لا يعدو أن يكون هرطقة وأسلوب حياة قروسطى تجاوزه التاريخ ودفنته الجغرافيا فصار جثة هامدة، وهو مع ذلك مارد جبار يقتحم معاقل التنوير والعلمانية لينفذ المؤامرة الكبرى ويُجهِز على العلم بسيف الإيمان واللاعقلانية والبربرية متمترسا بدرع التخلف والأصولية وتقاليد القرون الوسطي إنتقاما من الحضارة الغربية الزاهرة التي يكرهها بلا سبب مفهوم!!! فالكراهية هنا متجاوزة للتاريخ لأنها جينية وراثية عندنا بينما الغرب عقلاني ومستنير ولا يعرف مبدأ القوة.
من أجل ذلك يسعى كل طرف لإثبات أحقيته فى قيادة سفينة العالم الحائرة للعبور بها إلى بر الأمان حيث اليوتوبيا أو الفردوس الأرضى حينما تخضع أركان الأرض للمهدى وأتباعه أو تنحنى جبهة الطبيعة لسلطان العلم الغربى وتنقاد كل الشعوب المستضعفة للرأسمالية والعولمة. فالوعى واللاوعى قد طفحا بخطاب التفوق والنزاهة وحق الإبحار والقيادة، وهو ما يعنى أن الوجه الآخر للخطاب يجب أن يكون طمس الآخرين وإبقائهم كطاقم خدم على متن السفينة في أحسن الأحوال. فيجتهد الغربى ليثبت أن النبي محمدا كان شهوانيا مغتصبا ويرد المسلم التحية بأسوأ منها فيستخرج من الكتاب المقدس نصوصا يُثبت أنها مُحفّز جيد لمن يعانون من جدب وفقر فى الخيال المصاحب لجَلد عُمَيرة في عصور ما قبل البورنو.
فينتج المسلم مواقع وكتب وأبحاث وموسوعات وخطب وبرامج تؤيد ما يذهب إليه، بينما يضيف الغربى لهذه المنتوجات مواد أخري من أفلام سينمائية ورسوم كاريكاتيرية وقصص وأشعار وشعارات لأحزاب سياسية وأغان لأنه يقدس حرية التعبير بشكل مطلق – إلا قليلا. وهكذا يشعر المسلم أن ميدان المعركة ليس واحدا وأن الفرص المتاحة غير متكافئة وأن هناك أسلحة لا يستخدمها هو فى الحرب فيشعر بالغضب فيقاطع ويمنع ويحرق ويلعن ويصدر فتوي إهدار الدم. ويالها من فرصة عظيمة للغربى إذ أن هذه الأفعال "الهمجية" يجب أن تُدان، ويجب أن تكون الإدانة بإظهار الفارق الجبار بينها والسلوكيات والقيم الغربية الأصيلة التى تُعلي من قيمة حرية التعبير واللباقة والعقلانية في الرد والبحث العلمي النزيه.
وهكذا فإن التدين الإسلامي يواجه العلمانية الغربية، والعادات والتقاليد الإسلامية والشرقية تواجه الإنحلال والتفسخ الغربي، والروحانية الشرقية والإسلامية تصارع المادية والحيوانية الغربية، والتنوير الغربى يكافح الظلام الإسلامي، والعقلانية الغربية تصرع العاطفة والتهور الإسلامي، والفنون الغربية تكافح الإرهاب العربي الإسلامى. وكلا الطرفان يملك صورة كلية شمولية لما ينبغي أن يكون عليه العالم. ويقوم الإعلام بالترويج لكل صورة فى مخيلة أبناءه فتقر الأعين وتسكن الأطراف وتعلم الذات يقينا أن الآخر لا ينبغى أن يكون، وإن قُدّر له أن يكون فلتبقي كينونته في أسفل سافلين حماية للحضارة وانتصارا للنور علي الظلمات.
10:25 Posted in East and West | Permalink | Comments (11) | Email this | Tags: Western Civilization, Islam, Mental Images, Deconstruction, Cognition, Cultural Gap
29 October 2007
!ليس علي الغربيّ حَرَج
لست أعرف سببا وراء الإفتراض الذي يذهب إلى أن علمائنا – وحدهم وليس علماء الغرب أيضا - مقصّرون ومتخاذلون عن تعريف الغرب بالصورة الصحيحة للإسلام والمسلمين دون بذل مجهود – من جانب أصحاب هذا الإفتراض - حتي في إحصاء الكتب والمقالات التي كُتبت لتفنيد صورة الإسلام في الغرب وتصحيحها. فهو إفتراض يوحي بأن مروّجيه قد أحاطوا علما بكل الكتب والمقالات والندوات والجمعيات والمراكز المختصة بدراسة الشرق والإسلام ومؤلفات الأفراد التي تتجه في نفس الإتجاه، وهو ما أشك فيه صراحة لأن الأمر يفوق قدرات عقل الإنسان الفرد وهو يحتاج إلى جهود مجموعة تقوم بعمل قاعدة بيانات للإلمام بكل ما كُتب في المجال علي الأقل في المئة سنة الأخيرة من حيث الكم وتقييمه.
ويذهب هذا الإفتراض إلى أن الصورة التي يمتلكها الغرب في وعيه عن الإسلام صورة مشوهة بسبب تقصيرنا نحن وتخاذلنا نحن وكأننا كأفراد وهيئات ودول وجامعات ومراكز بحثية إلخ لم نفعل شيئا يذكر طوال القرون الفائتة غير مَصمَصة الشفايف ومظاهرات حرق أعلام الدول الكافرة. وكأنه لم يوجد علماء غربيون درسوا الإسلام والعالم الإسلامي دراسة عميقة وكتبوا مجلدات متوفرة لدي الغربيّ أكثر مما هي متوفرة لدينا بطبيعة الحال. وكأن الإنسان الغربي يجب أن يقعد علي مؤخرته في الغرفة المكيفة منتظرا كتابات المسلمين المضادة لِمَا ترسّخ في وعيه حتي تُعرَض عليه قسرا! العلم متاح أمام الغربيين في كل مكان ولو طلبوه لوجدوه لكن المشكلة أعمق من أن تُحصر في إلقاء اللوم علي المسلمين ورفع الحرج عن الغربيين، وهو ما سيتم بيانه لاحقا في هذه التدوينة.
فلنحاول الآن تحليل الأمور كما تسير علي أرض الواقع، كي نحاول التخلص من الكليشيهات التي تطفو علي السطح كلما تفجرت أزمة يصطنعها البعض في الغرب بكتاب أو مقال أو كاريكاتير، فنسمع دائما أن الخطأ من عند أنفسنا وأن الغربي أمين ينقل ما تراه عينه وتسمعه أذنه، وأننا مقصّرون – وحدنا – في استجلاء ورسم صورة الإسلام. وهكذا تبدأ الأوركسترا وتنتهي باللازمة: ليس علي الغربيّ حَرَج.
---------------------------------------------
فكيف يحصل الإنسان الغربي علي معلوماته عن الإسلام؟
سنفترض أن الغربي دخل علي موقع أمازون وكتب كلمة الإسلام في البحث فظهرت له خمسمائة نتيجة ما بين موسوعات وكتب منها ما يتحدث عن أهل الذمة والحريم والشريعة والفتوي والحجاب ومنها ما يتحدث عن القرآن والسنة النبوية وأخري تتحدث عن طالبان وأسامة بن لادن وأخري تتحدث عن ضياع حقوق الأقليات والشواذ والمرأة ... وكتب عن العلماء والشخصيات البارزة الذين تحولوا للإسلام ويحكون قصتهم مع الدين الجديد.
وسيقوم الغربي باختيار كتاب ليشتريه.
فعلي أي أساس سيختار؟
ولماذا – إبتداء – فكر في البحث عنه أصلا؟ أهي معرفة خالصة محضة أم معرفة مُسببة؟
هل عقل الغربي خال تماما من أي معلومة أو صورة مسبقة عن الإسلام سواء إيجابية أم سلبية؟
لا أعتقد. فهذا الغربي غالبا سمع نشرة أخبار تتكلم عن الإرهابيين المسلمين، أو شاهد برنامجا يتحدث عن سيطرة المسلمين الجشعين علي النفط، أو سمع كلاما عن محمد ذات صباح في الكنيسة، أو قابل زميلا مسلما في العمل ساعده علي حمل أمتعته مثلا، أو أنقذته فتاة مسلمة قبل أن تنزلق قدمه عند نزول السلم، أو كان له زميل في المدرسة الثانوية من الأقلية المسلمة هناك وكان هذا الزميل المسلم لا يستحم ولا يغسل أسنانه، أو قابل شابا مسلما في غرفة لبرنامج الدردشة وكانا يتحدثان عن الشعر الإنجليزي الذي يهتمان به وعن حبهما الكبير لقصائد شكسبير ومسرحياته....الخ
كل هذه المواقف كفيلة – أو حتي موقف واحد فقط – بأن يترك تأثيره في ذهن هذا الغربي ويجعله يتجه إلي قناة معينة للبحث.
-----------------------------------------------------
المعرفة والإدراك:
ومن الجائز جدا عند البشر عامة أن يميلوا إلي البحث عن المعلومات التي تؤكد صحة ما يحملون من معتقدات وخبرات، لا تلك المعلومات التي تصدمهم وتتنافي مع النماذج التفسيرية التي يملكونها للعالم. يستوي في ذلك الغربي والشرقي، سواء كانوا يبحثون عن معلومات جديدة عميقة بخصوص الإسلام والمسلمين أو بخصوص الأطعمة والوجبات السريعة أو حتي عند شراء سيارة. فقليلون هم الذين يبحثون في الإتجاهات المعاكسة لأن الإنسان بطبعه يميل إلي تحقيق قدر من الثبات المعرفي والقيمي حتي تتضح له الأمور ويستطيع أن يملك صورة شبه ثابتة ومستقرة للعالم الذي يتحرك فيه، فهو لا يريد أرضا رخوة، أو سطحا أملسا تنزلق من علي حافته الأشياء والمفاهيم والمصطلحات والقيم. بل يبحث عن معلومة تلو معلومة تؤكد له مثلا أن ممارسة الرجل للجنس مع الرجل ليست غير أخلاقية فقط إنما تسبب أيضا إرتخاء في أنسجة القضيب والبواسير وتساقط رموش العين، أو أن اليهود يخضعون أمريكا بشكل دائم لرغباتهم، أو أن كل الكلمات المفردة في اللغة الإنجليزية يمكن جمعها بإضافة حرف
S
دائما وأبدا ولا وجود للجموع الشاذة لأن إستظهارها أمر كريه، أو أن تقديم الصدقات للفقراء كفيل بأن يحمي المسلم من أي مصيبة فطالما أنه تبرع بالصدقات فلن تصيبه شوكة أبدا مطلقا بتاتا البتة.
هكذا هو حال البشر جميعا مهما اختلفت الثقافات والطبقات والمستوي التعليمي والثقافي، فالإنسان يحتاج إلي قدر من الثبات حتي يستطيع تشييد نموذجا تفسيريا للعالم، والإنسان لا يريد أن يقوم بوضع الماغنيسيوم علي البوتاسيوم كل يوم فيحصل علي نتيجة جديدة يوميا، وهو لن يسعده أيضا أن يقوم كل يوم بحساب حاصل ضرب خمسة في ستة ليتأكد أن النتيجة ثلاثون في كل يوم يقوم فيه بتلك التجرية وأنها ليست في زيادة أو نقصان، وقوانين الطبيعة العامة الثابتة تسمح بتحقيق قدر من الإستقرار في النماذج التفسيرية والرؤي التي نمتلكها للعالم لذلك فقد استطاع البشر تصنيع كم هائل من المخترعات مثلا، وهذا كلام ليس فيه جديد فقد قاله ديفيد هيوم وغيره من مئات السنين.
وفيما يخص الأخلاقيات والقيم والعادات والتقاليد إلخ فالأمر مشابه إلي حد كبير. فنحن نبحث عما يؤكد لنا صحة ما نملك من خبرات سابقة، ومصداقية معلوماتنا الماضية. وبالمناسبة فكثير من البشر يصطدمون بما يهدم تلك النماذج. في هذه الحالة يقومون بتنحية المعلومات المضادة ويكملون سيرهم بقلب مطمئن وعين قريرة، فيحلق الرجل لحيته كل صباح ويغسل أسنانه ويتجه إلى العمل فسيبقي اليهود أنجاس وملاعين ومتآمرين ومتحدين جميعا ضدنا ولا وجود لتوجهات مختلفة عندهم ولا وجود ليهود شرفاء يرفضون فظائع الإحتلال، بل اليهود جميعا متآمرون.كما أن الخبر الذي أذيع عن قيام ضباط بريطانيين يرتدون أزياء عربية بزرع قنابل علي الطريق في بغداد خبر غير هام، بل غير حقيقي وسيتجه القارئ الغربي إلي باقي العناوين التي تؤكد أن بن لادن اغتصب أمريكا وحرق مكتبة الأسكندرية وقتل توت عنخ آمون واغتال مارلين مونرو وقطع الكهرباء عن نيويورك وتسبب في إعصار كاترينا وحرائق كاليفورنيا وانقطاع الدورة الشهرية عن إليزابيث تيلور أثناء تصويرها فيلم كليوباترا.
هكذا يكون البحث العلمي الرصين؛ لأن المعلومات المضادة التي تتحدي ما ترسّخ في الوعي تُسبّب خلخلة واهتزازا للنموذج التفسيري فيتم استبعادها ونسيانها، كما أنها لا تشكل أي جزء من وعينا في إختيار الأخبار والكتب والمقالات لأن هذه المعلومات تسبب لنا الحيرة والتخبط وهو ما يجعل الإنسان يشعر أنه قِزم وأنه لا يستطيع إمتلاك الحقيقة لأنها دائما تتفلّت منه فالعقل عند الغالبية لا يريد طرح كلَّ شئ أمامه من زاوية جدلية: فهل شيلوك شيطان أم ملاك؟ هل هو ضحية أم وغد يريد قتل أنطونيو والانتقام من المسيحيين؟ هل المسلمين فيهم الوغد والطيب كباقي البشر أم كلهم عجينة شيطانية واحدة؟ هل اليهود متآمرين إمبرياليين وتوسعيين أم أخيار أم فيهم هذا وذاك؟
كلها أسئلة لا تريح العقل وتدفعه إلي مزيد من البحث، وهو شئ غير محبّذ عند كثير من البشر. فكم من البشر يفعل ذلك أو يرغب أصلا في وجع الدماغ والبحث عن الحقيقة والنماذج التفسيرية المَرِنة التي تستوعب الواقع، وتتخلي عن النماذج التفسيرية التي يثبت الواقع أنها متحجّرة؟
إن الغربي – أو أي إنسان غيره – لا بد أن يتحيز لاختيار المعلومة التي يبحث عنها ويتجاهل ما سواه حتي يشعر بقدر من الثبات في النموذج التفسيري الذي يتبناه. وبحسب المواقف التي تعرّض لها والخبرات التي يمتلكها عن الإسلام والمسلمين والنبي فسيكون إختياره لما يريد أن يقرأه ويصدّقه خاضع لذلك.
---------------------------------
ترجمات المفاهيم الخاصة والفجوة الثقافية
من أين سيحصل الغربي علي تعريف مفهوم الجنابة أو اللّعان أو حج التمتع أو البدعة أو العِدّة؟
بداية لا يوجد في ثقافته هذا المفهوم إطلاقا.
لذلك فقد يدرس اللغة العربية ليفهم معني هذه الكلمة التي لا يوجد لها مقابل في لغته.
وقد لا يدرس العربية ويكتفي بقراءة ترجمة حديث عن الجنابة أو تعريفها، فما مستوي الترجمة وما هي توجهات المترجم ومدي أمانته وسعة إطلاعه أصلا بالنص الذي يترجمه؟
كل هذا يشكل عراقيل أساسية في سبيل وصول المفهوم اللغوي والإصطلاحي لمن يجهل اللغة العربية ومصطلح الحديث. فكيف يمكن تجاهل كل ذلك؟
وإذا ما فكّر الغربي في قراءة ترجمة لمعاني القرآن فعنده ترجمات عديدة تملأ الأسواق فأي ترجمة لمعاني القرآن سيختار؟ وهل الترجمات كلها متطابقة مثلا؟
هناك ترجمة جورج سيل من القرن الثامن عشر وفيها من السقطات ما يعكس حجم التحريف الذي استمر لقرون عديدة بخصوص القرآن وصورة النبي الخ.
وهناك ترجمة داود من القرن العشرين وهو يهودي عراقي متجنس بالجنسية البريطانية علي حد علمي، وله أخطاء لا ينبغي أن تصدر ممن كانت لغته الأم العربية.
وهناك ترجمة أربري ويقولون أنها جيدة لكني لم أتعامل معها حتي اليوم.
وهناك ترجمات يوسف علي ومحمد مارماديوك وغيرهم من المسلمين وترجمة محمد غالي إلخ.
وأي ترجمة هي بدورها تفسير أو إنحياز لتفسير؛ لذلك فنحن نقول أن من أراد أن يتصدي لتحليل القرآن أو حتي الحديث فأقل ما نطالبه به أن يجيد لغة النص. أعتقد أن هذا أدني حد من الأدوات المستخدمة في النقد وإلا فكيف سيَعبُر الناقد إلى موضوع النقد!!!!؟؟ دعنا من علوم القرآن والسنة لكن كيف يستغني القارئ والباحث عن اللغة وهي وسيلة أساسية في القراءة أصلا؟
لهذا فأي كلام عن وجود نقد للقرآن أو السنة دون إمتلاك اللغة الأصلية للنص فهو كلام متهافت لأن اللغة شرط أساسي في تواصل الناقد بالنص.
وهكذا فلديَّ إيمان أن الغربي عموما يفضّل الركون إلي المفاهيم المتوارثة والصور الإعلامية المتتابعة ولا يرهق نفسه في بحث جاد عن الصورة الحقيقية للآخرين – وبالقطع فيها جوانب سيئة وأخري حسنة – فيفضّل تلك الصور الذهنية الثابتة. وإذا كان جزء من الأوزار التي ترتبط بهذا اللغط المتوارث نتحمله نحن كعرب ومسلمين فلست أري سببا يجعلنا نسقط عن الغربيين أوزارهم التي يحملوها معنا.
12:20 Posted in East and West | Permalink | Comments (22) | Email this | Tags: Westerners, Islam, Mental Images, Deconstruction, Cognition, Cultural Gap
