25 October 2007
التفسير، والصور الجنسية في الفلكلور
(1)
أبدأ بسرد حكاية حكاها لي صديق ولا يهمني إن كانت حقيقية أم نكتة متداولة علي أنها واقعة.
ذهبت سيدة حامل إلى طبيب النساء والولادة واستلقت علي سرير الكشف، ولما كانت السيدة في منتصف شهور الحمل فقد سألها الطبيب سؤالا منطقيا عن حالتها ودار الحوار علي النحو التالي:
الطبيب: قوليلي، بتحسي بإيه في وقت الجماع؟
السيدة الحامل: باحس يا دكتور كأني هيغمي عليا وكأني طايرة في سابع سما.
انتهي.
وهكذا كان الطبيب يسأل عن الممارسة الجنسية وإن كانت السيدة تشعر بألم أثناء الجماع بسبب ضغط الجنين علي منطقة الحوض وإزدياد وزن الجنين بشكل تدريجي، وتقلباته في الرحم. بينما أجابت السيدة عن السؤال بإعتباره سؤالا عن مدي اللذة والإستمتاع الحاصل أثناء الجماع.
الطبيب يسأل عن الألم والسيدة تجيبه بخصوص اللذة.
وإعتقادي الشخصي أنه لو تكرر هذا السؤال بنفس الصيغة تماما علي مئة سيدة حامل فستكون الإجابة بنسبة أكبر تختص بشرح مدي الألم الحاصل أو عدم حدوثه، بينما ستكون النسبة الأقل ممن يقدّمن إجابات تختص بالشعور باللذة. وأتوقع أيضا أن تكون هناك فئة ثالثة ستشعر أنها في حيرة وستسأل الطبيب بصيغة أكثر تحديدا: يعني تقصد إيه بالظبط يا دكتور؟ فيقول الطبيب ساعتها: قصدي هل وضع الجنين مؤلم وضاغط علي عظام الحوض مما يمنعك من الممارسة الجنسية أم أنك لا تشعرين بمشاكل؟
ولا يهمني إن كان هذا موقف حقيقي أم نكتة متخيلة، بل يهمني أنها قصة قابلة للحدوث والتصديق لأنها تتصل مباشرة بمدي المراوَغة التي تتسم بها اللغة – أي لغة في العالم. وهذه المراوغة والتفلّت الذي تتسم به اللغة أسبابه لا حصر لها من مدخلات ثقافية، واستعداد قبلي من جهة المتخاطبين، وسياق الحديث، وتعبيرات الوجه ونبرة الصوت وكل هذا يضفي مزيدا من الغموض أو المباشرة علي دلالات الألفاظ في مواقف متكررة.
ويمكن لكل فرد منا أن يسرد العديد من المواقف الشخصية التي تشير إلي مواقف مشابهة من حيث تفلّت اللغة وطبيعتها المُراوِغة لأسباب كثيرة ذكرت منها ما يحضرني فقط الآن.
وهكذا فالتفسير الذي يقوم به المتخاطبين من ناحية، والتفسير الذي يقوم به من يستمع إلي الحوار – أو يقرأ النص – من ناحية أخري يختلف وقد يتضارب والمسألة كلها خاضعة لاعتبارات ثقافية ومكانية وزمانية لا حصر لها تشكل جميعا رصيدا في وعي المفسر، الأمر الذي لا يمكن الفكاك منه ولا يمكن تخيل اللغة والتواصل البشري بدونه.
------------------------------------
(2)
وإذا ما انتقلتُ إلي الأغاني الفلكلورية في الأفراح مثلا بإعتبارها واحدة من أكثر السياقات التي يتقبل فيها المجتمع كثيرا من الكلمات والصور الذهنية الجنسية بسلاسة تامة وقبول وترحيب ومباركة بل ربما يغلب علينا تقبلها بابتسامات تعكس فهمنا العميق لمغزي الصور الذهنية الجنسية المستخدمة.
خذ مثلا أغنية مثل:
ياللي علي الترعة حوّد ع المالح.
وأنا لا أحفظها لكن أذكر بعض كلماتها فقط، التي تذهب في بعض مقاطعها إلي:
البت حبت الدكتور والدكتور حبها
ساب العيادة وراح لها
وخادها ونزل الترعة
أيوه يا واد يا ولعة
----------------
وأغنية مثل يا رمانة واحدة
تقول:
نازلة أجيب صحن الكوسة
طالعة في إيدي صحن الكوسة
ميّل عليا إداني بوسة
بالليل الساعة واحدة
دعك من دلالة الرمان في وعينا الشعبي، والديني المسيحي مثلا، لكن ليس من الصعب علي المستمع أن يكتشف أن صحن الكوسة لا يمكن الإتيان به الساعة واحدة ليلا دون إضمار النية من جانب الفتاة علي قبولها وتسامحها إذا ما حاكشها ذلك الشاب الواقف علي السلم في ذلك الوقت المتأخر من الليل، وهذا بالطبع ليس تبريرا مني لفعل المحاكشة الذي يأتي لاحقا في الأغنية، إذ تقول الأغنية:
طالع يحاكشها
نازل يحاكشها،
كسّر غوايشها
بالليل الساعة واحدة
والمستمع يفهم كلمة يحاكشها بقدر ما تتيح له خيالاته واستعداده القبلي وسياق الكلمات كله ونبرة الصوت وتعبيرات الوجه، وأما تكسير الغوايش فمعلوم أنه حدث نتيجة تمنّع الفتاة أثناء المحاكشة، كما يدل علي قوة الرجل وفحولته وتصميمه علي الفوز بجسد الفتاة. ولا أظن أنه كان يبوسها ويحاكشها ويكسّر غوايشها بالليل الساعة واحدة حتي يسرق منها الكوسة!!! فهو إحتمال بعيد نسبيا علي أقل الفروض.
وهذه قطرات من تراث فلكلوري لا يجد الناس أي غضاضة في تكرارها في كل فرح شعبي، بل إن النساء هن اللائي يرددن هذه الأغاني بعلو أصواتهن ولا تشعر أي واحدة بالخجل لأن السياق والألفة – أي إعتياد الآذان علي الكلام ودلالاته - يتحديان أي شعور بالخجل هنا.
14:00 Posted in Language | Permalink | Comments (16) | Email this | Tags: Language, Sexual Images, Interpretation